• ×

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

عيد الإستقلال 72

المفاهيم حول شكل الأرض وحركتها

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
1- المفاهيم حول شكل الأرض وحركتها:
لا ريب أن الجغرافيين العرب والمسلمين قد تأثروا في آرائهم عن الأرض بالآراء اليونانية -الرومانية، ولا سيما بآراء أرسطو وبطليموس، وكانت الفكرة السائدة عن الأرض لدى العرب في البداية أنها مسطحة، غير أن الجغرافيين والفلكيين العرب سرعان ما نبذوا تلك الفكرة، منذ شاعت بينهم آراء بطليموس، وآمنوا جميعًا بكروية الأرض، وظهر تأثرهم بالآراء اليونانية كذلك في اعتقادهم بأن الأرض تحتل مركز الكون، وأنها محاطة بالبحار، ويمكن القول: إن آراءهم عن الأرض باتت تحكمها ثلاث فرضيات: الأولى أنها مدروة، والثانية أنها ثابتة في مركز الكون، والثالثة أنها محاطة بالبحار، وقد اعتاد معظم الجغرافيين العرب أن يصدروا مؤلفاتهم بتلك الفرضيات الثلاث، فقد وصفت ابن خرداذبة مثلًا في مقدمة كتابه "المسالك والممالك"، شكل الأرض على النحو التالي: "قال أبو القاسم: صفة الأرض إنها مدورة كتدوير الكرة موضوعة في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة، والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك، وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الثقل؛ لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد"1.
أما ابن رسته، فقد ذكر في المجلد السابع من كتابه "الأعلاق النفيسة" بأن: "الله عز وجل وضع الفلك مستديرًا كاستدارة الكرة أجوف دوارًا، والأرض مستديرة أيضًا كالكرة مصمتة في جوف الفلك قائمة في الهواء يحيط بها الفلك من جميع نواحيها بمقدار واحد من أسفلها وأعلاها، وجوانبها كلها فهي في وسطها كالمحة في البيضة.. وكذلك أجمعت العلماء على أن الأرض أيضًا بجميع أجزائها من البر والبحر على مثال الكرة، والدليل على ذلك أن الشمس والقمر، وسائر الكواكب لا يوجد طلوعها، ولا غروبها على جميع من في نواحي الأرض في وقت واحد، بل يرى طلوعها على المواضع الشرقية من الأرض قبل طلوعها على المواضع المغربية، وغيبوبتها على المشرقية أيضًا قبل غيبوبتها عن المغربية، ويتبين ذلك من الأحداث التي تعرض في العلو، فإنه يرى في وقت الحادث الواحد مختلفًا في نواحي الأرض، مثل كسوف القمر، فإنه إذا رصد في بلدين متباعدين بين المشرق والمغرب، فوجد وقت كسوفه في البلد الشرقي منهما على ثلاث ساعات من الليل مثلًا، أقول وجد ذلك في الوقت في البلد الغربي على أقل من ثلاث ساعات بقدر المسافة بين البلدين، فتدل زيادة الساعات في البلد الشرقي أن الشمس غابت عنه قبل غيبوبتها عن البلد الغربي. ويوجد هذا الاختلاف في الأوقات في جميع ما يسكن من الأرض ... فإنه إن سار أحد في الأرض من ناحية الجنوب إلى الشمال، رأى أنه يظهر له من ناحية الشمال بعض الكواكب التي كان لها غروب، فيكون أبدي الظهور، وبحسب ذلك يخفى عنه من ناحية الجنوب بعض الكواكب التي كان لها طلوع، فيصير أبدي الخفاء على ترتيب واحد ... فيدل جميع ما ذكرناه على أن بسيط الأرض مستدير، وأن الأرض على مثال الكرة"2.
وقال المسعودي في كتابه "التنبيه والأشراف": "وذكر من عني بمساحة الأرض وشكلها أن تدويرها يكون بالتقريب أربعة وعشرين ألف ميل، وذلك تدويرها مع المياه والبحار، فإن المياه مستديرة مع لاأرض وحدهما واحد، فكلما نقص من استدارة الأرض، وطولها وعرضها شيء تم بإستدارة الماء وطوله وعرضه"1.
وقال ابن الفقيه في كتابه "مختصر كتاب البلدان": "وذكر بعض الفلاسفة أن الأرض مدورة كتدوير الكرة موضوعة في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة والنسيم حول الأرض، وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك، وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل؛ لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجذب الحديد"2.
أما أبو الريحان البيروني، فكان من أكثر الجغرافيين المسلمين عناية بشرح نظرية كروية الأرض، وقد أورد في كتابه "القانون المسعودي" بالتفصيل البراهين التي ذكرها العلماء الأغريق والرومان عن هذه النظرية، ولا سيما براهين أرسطو وبطليموس، وأضاف إليها براهين جديدة، وختم براهينه قائلًا: "ومما ذكرنا يعرف سبب كرية الأرض؛ لأن أبعاضها لو لم تتماسك مع نزوعها إلى المركز، ونزوع ما هو أبعد عنه إلى الموضع الأقرب منه إن خلاله لم يكن بد من اجتماعها حول الوسط اجتماعًا مستويًا للأبعاد تسوية الميزان، لكن أجزاءها تمماسكة مخرجة عن وجهها عن الاستواء إلى التضريس بالجبال، والأنجاد بقصد من التدبير الإلهي، وإن لم يخرج لها جملة الأرض، وليس منه في الماشي معنى يضمهما وإن كان يتفاضل، فإن سطح الماء مستدير، وأصدق كرية من الأرض؛ لأنه إن توهم مستويًا كان وسطه أقرب إلى المركز من حواشيه، فما منها سائل لا محالة إلى وسطه وغير مستقر إلا بعد استواء الأبعاد، وزوال الأعلى والأسفل من السفح بالانتقال من الاستواء إلى الاستدارة، وهذا معنى قصده بطليموس في الأصل الثاني وحوله في
الاستدلال من الأرض للماء، فإن السائر في براريها نحو الجبال يظهر له منها أعاليها، كأنها تبرز من الأرض شيئًا بعد شيء حتى ينتهي إليها، وهذا ظاهر في الوجود يستقيم منه الدلالة على الأرض والماء معًا في الكرية، ومتى كان بين السائر وبين الجبل الشامخ الذي وراءها؛ لأن المدرك منه هو أعاليه، فلو كانت الأول مستقيمة السطح لكان إدراك الأقرب من تلك المتوسطات أولًا أولى من الأبعد بل سفوح الشامخ وأسافله؛ لأنها أقرب إلى البصر من أعاليه بحسب فضل ما بين الفطر، وبين الضلع من المثلث القائم الزاوية، فإن اعتبر الحال بتأمل نيران مؤججة في أعلى الجبل ووسطه، وأسفله سبقت رؤية التي توقد في القمة من التي في الوسط، ومن التي في الوسط من التي في السفح، وعلى استمرار هذا الدليل في الأرض والماء، وما ينفرد الماء بدليل ما يخصه وهو المراكب في البحار، فإن أدقالها تظهر للناظر إليها من بعد قليل قبل جثتها، والجثة أعظم منها لولا أن حدبة الماء الكرية يمنعها، وتخفيها مع انبطاحها بسبب اختلاف الانتصاب إلى أن يزول الستر بالاقتراب، فيظهر عندئذ"1.
وأيد إخوان الصفا في "رسالتهم الرابعة" كروية الأرض، وقالوا في ذلك: "والأرض جسم مدور مثل الكرة، وهي واقفة في الهواء بأن الله يجمع جبالها وبحارها وبراريها، وعماراتها وخرابها، والهواء يحيط بها من جميع جهاتها شرقيها وغربيها وجنوبها وشمالها ومن ذا الجانب، ومن ذلك الجانب، وبعد الأرض من السماء من جميع جهاتها متساو"2.
ولقد فصل ياقوت الحموي في شرحه لشكل الأرض آراء الخوارمي، فقال في كتابه "معجم البلدان": "وأصلح ما رأيت في ذلك وأسداه في رأيي ما حكاه محمد بن أحمد الخوارزمي، قال: إن الأرض في وسط السماء والوسط هو السفل بالحقيقة، والأرض مدورة بالكلية مضرسة بالجزئية من جهة الجبال البارزة والوهدات الغائرة، ولا يخرجها ذلك من الكرية إذا وقع الحس منها على الجملة؛ لأن مقادير الجبال وإن شمخت صغيرة بالمقياس إلى
كل الأرض، ألا ترى أن الكرة التي قطرها ذراع، أو ذراعان إذا نتأ منها كالجاورسات، وغار فيها أمثالها لم يمنع ذلك من إجراء أحكام المدور عليها بالتقريب؟ ولولا هذا التضريس لأحاط بها الماء من جميع الجوانب، وغمرها حتى لم يكن يظهر منها شيء ... "1.
وأيد الكتاب المتأخرون أيضًا فرضية كروية الأرض، وعلى رأسهم ابن خلدون، فلقد ذكر في المقالة الثانية من "مقدمته" الشهيرة: "اعلم أنه قد تبين في كتب الحكماء الناظرين في أحوال العالم أن شكل الأرض كروي، وأنها محفوفة بعنصر الماء كأنها عنبة طافية عليه، فانحسر الماء عن بعض جوانبها لما أراد الله من تكوين الحيوانات فيها، وعمرانها بالنوع البشري الذي له الخلافة على سائرها. وقد يتوهم من ذلك أن الماء تحت الأرض، وليس بصحيح وإنما التحت الطبيعي قلب الأرض، ووسط كرتها الذي هو مركزها، والذي يطلبه بما فيه من الثقل ... "2.
كذلك أيد هذه الفرضية أبو الفدا في كتابه "تقويم البلدان"، وأورد البراهين على كروية الأرض حيث قال: "أما جملة الأرض فكرية الشكل حسبما ثبت في علم الهيئة بعدة أدلة منها أن تقدم طلوع الكواكب، وتقدم غروبها للمغربي يدل على استدارتها شرقًا وغربًا، وارتفاع القطب والكواكب الشمالية، وانحطاط الجنوبية للواغلين في الجنوب بحسب وغولهما، وتركب الاختلافين للسائرين على سمت بين السمتين، وغير ذلك دليل على استدارة جملة باقي الأرض، وأما تضاريسها التي تلزمها من جهة الجبال، والأغوار فإنه لا يخرجها من أصل الاستدارة، ولا نسبة لها محسوسة إلى جملة الأرض، فإنه قد تبرهن في علم الهيئة أن جبلًا يرتفع نصف فرسخ يكون عند جملة الأرض، كخمس سبع عرض شعيرة عند كرة قطرها ذراع، وكذلك ثبت في علم الهيئة أن الأرض في وسط الفلك بعد أدلة، منها أن انخساف القمر في مقاطراته الحقيقية للشمس، يدل على أن الأرض في الوسط والواقف على الأرض من جميع الجوانب رأسه إلى ما يلي المحيط، وهو الفوق ورجله إلى ما يلي المركز وهو التحت، ومحدب الأرض مواز لمقعر الفلك المحيط به، والسائر على الأرض يجب أن يصير سمت رأسه في كل وقت جزءًا آخر من الفلك ... "1.
وافتتح الدمشقي "شيخ الربوة" كتابه "نخبة الدهر في عجائب البر والبحر"، بشرح مسهب لشكل الأرض، ومركزها في الكون حيث قال: "أجمع المحققون لعلم الهيئة على أن الأرض جسم بسيط طباعه أن يكون باردًا يابسًا، متحركًا إلى الوسط، وإنما خلفت باسطة باردة يابسة للغلظ، والتماسك، إذ لولا ذلك لما أمكن قرار الحيوان عليها، ولا حدث النبات والمعدن فيها، وهي كرية الشكل بالكلية مضرسة بالجزوية من جهة الجبال البارزة، والوهدات الغائرة ولا يخرجها ذلك من الكرية، وهي في الوسط من الفلك ولا نسبة لها إليه؛ لأن أصغر كوكب من الثوابت يقدرها مرات، ووسط الفلك هو السفل منه ومثلها فيه كمثل النقطة في الدائرة أو كالملح من البيضة، فهي واقفة في الوسط والماء محيط بها، إلا المقدار البارز الذي خلقه سبحانه وتعالى، وجعله مقرًا للحيوان، فإنه بمنزلة التضاريس والخشونات على ظهر الكرة، فمثلها بها كمثل الثمرة العفص المضرسة مع الاستدارة، وجعل الله البارز منها مقرًا للحيوان البري، ووهداتها المغمورة بالماء مقرًا للحيوان البحري، وجعل كل واحد من العناصر فلكًا محيطًا بما دونه إلا الماء، فإنه منعته العناية الإلهية عن الإحاطة، لذلك المذكور ولما بين مركزي الشمس والأرض من المخالفة، فإن الشمس تدور على مركزها الخاص الذي هو غير مركز الأرض، فتقرب من جانب الأرض، وهو الجنوب موضع حضيضها، وتبعد من جانب وهو الشمال موضع أوجها، ولما كان ذلك انجذبت المياه إلى جهة الجنوب، وانحسرت من جهة الشمال فصار الشمال يبسًا "أرضًا طافية"، وجعل الله تعالى لون الأرض في الغالب أغبر أدكن ليظهر النور والضياء، وليتمكن إبصار الحيوان من النظر فتمت الحكمة، [وأتقن نظام الحيوان والنبات والمعدن] ،قالوا والدليل على أن الأرض كرية الشكل مستديرة أن الشمس والقمر، وسائر الكواكب لا يوجد طلوعها، ولا غروبها على جميع النواحي في وقت واحد، بل يرى طلوعها في النواحي المشرقية من الأرض قبل طلوعها على النواحي المغربية، وغيبوبتها عن المشرقية قبل غيبوبتها عن المغربية، وكذلك خسوف القمر إذا اعتبرناه، وجدناه في النواحي المشرقية والمغربية مختلفًا متفاوت الوقت، ولو كان طلوعه وغروبه في وقت واحد بالنسبة إلى النواحي لما اختلف، ولو أن إنسانًا سار من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال رأي أنه يظهر له من الناحية الشمالية بعض الكواكب التي كان لها غروب، فتصير أبدية الظهور، وبحسب ذلك يكون عنده من ناحية الجنوب بعض الكواكب التي كان لها طلوع أبدية الخفاء على ترتيب واحد، والماء محيط بالأرض، ولولا التضرس لغمرها حتى لم يبق منها شيء، ولكن العناية الإلهية اقتضت اللطف بالعالم الأنسي، فأبرز له من الماء جزءًا منها ليكون مركزًا للعالم، وإحاطة الماء لها بالأمر الطبيعي إذ كل خفيف يعلو على الثقيل، والماء أخف من الأرض فكان مركزه بها، والهواء جاذب لها من جميع جهاتها إلى الفلك بالسوية، كجذب المغناطيس الحديد ولذلك وقفت في الوسط.
وذهب آخرون إلى أنها واقفة في الوسط من دفع الفلك لها من جميع جهاتها، كتراب ملقى في قارورة تدور بسرعة قوية، ودورانها مستمرًا، فإن ذلك التراب ينجذب إلى وسطها، وكذلك التبن إذا ألقي في طشت مملوء بماء وأدير ذلك الماء بقوة دار التبن معه، وانضم إلى الوسط مجتمعًا بعضا مع بعض، وذهب آخرون إلى أن الأرض بطبعها هاربة من الفلك إلى ذاتها على ذاتها، فهي إذن منضمة منه من سائر جهات إحاطته بها انضمامًا إلى نفسها عنه بالتساوي، وإذا زال الفلك يوم القيامة، وانتشرت كواكبه، وطوي طي السجل ذهب عنه الموجب لهروبها فامتدت، وانتشرت واهتزت وتساوت بالانفراش إلى قريب من أذيال السماء الثانية، والله أعلم.
ثم إنهم مثلوا حلول الساكن فيها بتفاحة غرز فيها شعير من سائر جهاتها، فكل شعيرة منتصبة إلى ما قابلها من جميع جهاتها، لا فرق بين شيء منها في استقامته، وحيث كان الناس في استيطانهم، فإن أرجلهم إلى الأرض ورؤوسهم إلى السماء. وكل فريق منهم يرى أن أرضه التي هو عليها هي المستقيمة في الاعتدال، وقالوا في تحقيق هذه الدعوى لو أن أهل ناحية من نواحي الأرض حفروا بئرًا، وأطالوها إلى المركز وحفر أهل الناحية التي تقابلهم بئرًا أخرى، وأطالوها إلى أن يلتقي الحفيران ويكون الماء واحدًا لأرسل كل واحد دلوهم، وكان أسفل هذا الدلو مقابلًا لاسفل الدلو الآخر، وكأن هؤلاء يجرون دلوهم إلى فوق، والآخرون كذلك لا يشك كل واحد منهم أنه جاذب دلوه من أسفل البئر إلى أعلاه، واستدلوا أيضًا على ذلك أن الإنسان إذا كان في موضع من الأرض، وأخرج خطًا مستقيمًا من مكانه إلى مركز الأرض، وانتهى به إلى الجهة الأخرى، فإنه يمكن أن يكون على طرف الخيط من الجهة الأخرى من رجليه، حتى إنهم قالوا: متى قيس بين أهل الصين وبين أهل الأندلس اللذين هما على طرفي المعمور، كانت أقدامهم متقابلة، وكان طلوع الشمس والقمر عند هؤلاء غروبها عند هؤلاء، وليل هؤلاء نهار هؤلاء بالعكس"1.
أما ما يتعلق بحركة الأرض، فقد مال الجغرافيون العرب والمسلمون إلى الأخذ بفرضية العلماء اليونانيين وهي سكون الأرض، لا سيما وأن هذه الفرضية تتناسب ومعتقداتهم الموروثة، وهي سكون الأرض، لا سيما وأن هذه الفرضية تتناسب ومعتقداتهم الموروثة، والحقيقة أنهم لم يتعرضوا لمناقشة هذه الفرضية إلا بصورة عابرة باعتبارها من الحقائق المسلم بها، ونادرًا ما تجشموا عناء البرهنة عليها، وبطبيعة الحال فقد عزوا ظاهرتي الليل والنهار، والفصول الأربعة إلى حركة الشمس حول الأرض، ومن بين القلائل الذين تعرضوا لبحث هذه القضية إخوان الصفا في "رسائلهم" المعروفة، والبيروني في كتابه "القانون المسعودي"، فقد فسر إخوان الصفا ثبات الأرض في وسط السماء على النحو التالي: "وأما سبب وقوف الأرض في وسط الهواء ففيه أربعة أقاويل، منها ما قيل أن سبب وقوفها هو جذب القلب لها من جميعه جهاتها بالسوية، فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الجذب من جميع الجهات، ومنها ما قيل: إنه الدفع بمثل ذلك فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الدفع من جميع الجهات، ومنها ما قيل: إن سبب وقوفها في الوسط هو جذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات إلى الوسط؛ لأنه لما كان مركز الأرض مركز الفلك أيضًا، وهو مغناطيس الأثقال يعني مركز الأرض، وأجزاء الأرض لما كانت كلها ثقيلة انجذبت إلى المركز، وسيق جزء واحد وحصل في المركز، فصارت الأرض بجميع أجزائها كرة واحدة بذلك السبب، ولما كانت أجزاء الماء أخف من أجزاء الأرض، وقف الماء فوق الأرض، ولما كانت أجزاء الهواء أخف من أجزاء الأرض، وقف الماء فوق الأرض، ولما كانت أجزاء الهواء أخف من أجزاء الماء صار الهواء فوق الماء. والنار لما كانت أجزاؤها أخف من أجزاء الهواء صارت في العلو مما يلي فلك القمر، والوجه الرابع ما قيل في سبب وقوف الأرض في وسط الهواء هو خصوصية الموضع "اللائق به"، وذلك أن الباري عز وجل جعل لكل جسم من الأجسام الكليات، يعني النار والهواء والمار الأرض موضعًا مخصوصًا هو أليق المواضع به، وهكذا القمر وعطارد، والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزحل، جعل لكل واحدة منها موضعًا مخصوصًا في فلكه هو ثابت فيه، والفلك يديره معه، وهذا القول أشبه الأقاويل بالحق"1.
وقال البيروني في كتابه "القانون المسعودي" مبرهنًا على ثبات الأرض، ومؤيدًا بذلك فرضية بطليموس: "ثم نعود إلى القسم الثاني من حركة الأرض، وهي على نفسها نحو المشرق من غير انتقال من مكانها، وقد قال بها أصحاب أرجيهد من علماء الهند، ونظن بالداعي إليها إلزام السماء ما يُرى من حركات الكواكب فيها بالحركة الثانية الشرقية، وإلزام الأرض لوازم الحركة الأولى الغربية، كيلا تجتمع على السماء حركتان مختلفتان معًا -وهذا وإن لم يكن قادحًا في مباني هذه الصناعة، فقد قلنا أن لا أثر للحركة الأولى في الأثير؛ لأنها تدير جملته إدارة واحدة، فليس يحسن من مناهج التحصيل أن يتمسك به إن انتقض من جهات أخر، أو أن يمهل البحث عن حقيقته ولم يخرج الأمر فيه من طريقته، فأما بطليموس فإنه استجهل القائلين بها عن جهة حملهم سرعة الحركة على الأشياء الثقيلة الكثيفة، وبطأها أو بطلانها على الأشياء الخفيفة اللطيفة، وهذا استدلال هو بالبحث الطبيعي أليق منه بالتعليمي بل هو إقناعي، فإنه اللطيف والكثيف إلى أن يحصل منهما على حقيقة معنى.
وأما النظر التعليمي في هذا المعنى، فإن القول فيه راجع إلى أن الأرض لو كانت متحركة بهذه الحركة لتخلف عنها ما انحاز منها من طائر محلق، أو شيء مرمي به نحو جو السماء أو سحاب واقف في الهواء، فترى حركتها نحو المغرب دائمًا، وإن كانت لها أيضًا هذه الحركة كما للأرض، وجب أن يرى ساكنًا من أجل حركتها على التحاذي، لكنا نراها متحركة في جميع الجهات، فليست ولا هي بمتحركة هذه الحركى التي بها الليل والنهار ...
فليعلم الآن أن الأرض لو كانت متحركة كما ذكر لكان ما ذكرنا من الأميال لمنطقة حركتها ثلاثماية وستين ضعفًا في أربع وعشرين ساعة يختص الجزء من تسعماية من الساعة، وهو الدقيقة من الفلك ماية ألف وسبعماية وثمان وسبعين ذراعًا، ومقدار دوران هذه الدقيقة من الأزمان بتقدير الهند إياه نفس واحد من أنفاس الإنسان، فإذا كانت الحركة فيه قريبًا من ميل كانت ظاهرة للقياس، فإن كانت الأشياء المنفصلة عن الأرض حافظة للمسامتة بما لها مع الأرض من الحركة، فمعلوم أنه إذا غشيها قوة زائدة قاسرة أنها يزيلها عن ذلك السكون المتخيل، ويظهر فيها أثرها ما وجبت اختلافها في الجهات؛ لأن القاسرة في جهة المشرق مجتمعة مع الطبيعة، وفي جهة المغرب معاندة لها دافعة، فتكون وثبة الواثب فيهما مختلفة ومرور السهم المرمي إليهما، والطائر القاطع نحوهما متباينًا. ويتفاوت كذلك في الشمال والجنوب للاتساع في أحدهما والتضايق في الآخر، وليس من ذلك شيء بموجود، فليس للأرض في مكانها حركة دورية في مركزها"1.

وبالرغم من إجماع الجغرافيين، والفلكيين العرب والمسلمين على ثبات الأرض، وعدم حركتها فإن نفرًا قليلًا منهم قد خامرته الشكوك في سكون الأرض، وأشاروا إلى احتمال تعرضها لدورة يومية حول مركزها من أمثال عمر الكاتبي وأبي الفرج الشامي، بل إن نفرًا آخر ومنهم أبو سعيد السجزي، قد ألمح إلى إمكان حدوث حركة للأرض حول الشمس، وقد ورد على لسان البيروني قوله بأنه رأى الاصطرلاب المسمى بالزرقالي، اخترعه أبو سعيد السجزي فأعجبه ويستحق مبدعه الثناء، وهذا الاصطرلاب مؤسس على ما ذهب إليه البعض من أن الحركة المشاهدة لنا هي حركة الأرض لا حركة الفلك، ولعمري هذه عقدة يصعب حلها1.
وعلى أية حال فلا بد من أن نؤكد أن هذه الشكوك لدى بعض العلماء العرب والمسلمين لا تمثل سوى اتجاه ضعيف، وقد رفض هذا الرأي غالبيتهم وبرهنوا على خطئه، كما فعل البيروني وعمر الكتبي والزويني، وقطب الدين الشيرازي وغيرهم، ومن المعروف أن العلماء اليونانيين قد رفضوا أيضًا من قبل رأي أريستارخس Aristarchus الأسكندري القائل بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، ولم يأخذ علماء الفلك بفرضيته إلا في منتصف القرن السادس عشر على أيدي كوبرنيكس وغاليلو.

__________
1 ابن خرداذبه "أبو القاسم عبيد الله" -المسالك والممالك. منشورات مكتبة المثنى لقاسم الرجب. ص4.
2 ابن رسته "أبو علي أحمد بن عمر"- الأعلاق النفيسة "المجلد السابع". منشورات مكتبة المثنى عن طبعة ليدن. ص 8و 12.
1 المسعودي "أبو الحسن علي" -التنبيه والاشراف، منشورات مكتبة خياط، بيروت 1965، ص 31.
2 ابن الفقيه الهمذاني "أبو بكر أحمد بن إبراهيم" -مختصر كتاب البلدان- منشورات مكتبة المثنى عن طبعة ليدن لعام 1885، ص3.
1 البيروني "أبو الريحان محمد بن أحمد" -القانون المسعودي "الجزء الأول". منشورات مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند. حيدر أباد 1954.
2 إخوان الصفاء وخلان الوفاء -رسائل إخوان الصفا "الجزء الثاني". منشورات المكتبة التجارية الكبرى لصاحبها مصطفى محمد. القاهرة 1928 ص 111.
1 الحموي "ياقوت" -معجم البلدان، طبعة داري صادر وبيروت، 1955 "الجزء الأول".
2 ابن خلدون "عبد الرحمن" -مقدمة ابن خلدون. منشورات المكتبة التجارية الكبرى لصاحبها مصطفى محمد بالقاهرة، ص 44.
1 أبو الفدا "عماد الدين إسماعيل" -تقويم البلدان. منشورات مكتبة المثنى عن طبعة رينو ودي سلاف. ص3.
الدمشقي "شمس الدين أبو عبد الله الملقب بشيخ الربوة" - نخبة الدهر في عجائب البر والبحر. منشورات مكتبة المثنى عن طبعة للمستشرق مهرن. ص 9-11.
1 إخوان الصفا - ص113.
1 البيروني -القانون المسعودي- ص49-52.
1 كارلو ناللينو -علم الفلك وتاريخه عند العرب في القرون الوسطى. روما- ص251.

بواسطة : admin
 0  0  3.4K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:23 مساءً الجمعة 27 يناير 2023.