• ×

نموذج مستعمرة : النوع قائمة

عيد الإستقلال 72

الفكر المناخي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الفكر المناخي
الفكر المناخي القديم
...
1- الفكر المناخي
1- 1- الفكر المناخي القديم:
لما كانت الظاهرات الجوية تؤثر في حياة الإنسان تأثيرًا مباشرًا وسريعًا فقد كان من الطبيعي أن يبدأ الإنسان منذ نشأته الأولى في التفكير في هذه الظاهرات، وخصوصًا الظاهرات العنيفة التي كانت تسبب له متاعب وخسائر كبيرة، مثل الأعاصير والعواصف الشديدة. وقد أخذ التفكير في هذه الظاهرات الجوية يتطور مع تطور الإنسان وتحضره، وظهرت في تفسير هذه الظاهرات أفكار متباينة بين أصحاب الحضارات القديمة التي عاشت منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وأهمها الحضارات المصرية والبابلية والآشورية والصينية والهندية. ولكن الأفكار التي سادت بين أصحاب هذه الحضارات كانت أفكارًا بدائية وغير مستندة على أي أسس علمية. وكانت تدور في الغالب حول تفسير بعض الظاهرات الجوية، وخصوصًا الظاهرات التي لها علاقة بالزراعة والهجرة والملبس والمأكل وغير ذلك من مظاهر الحياة.
أما التفكير العلمي في الظاهرات الجوية والمناخية فلم يبدأ إلا في عهد الحضارة اليونانية القديمة، وكان الفيلسوف اليوناني أرسطو من أبرز المفكرين الذين عالجوا موضوع المناخ، ففي سنة 35 ق. م، ألف كتابًا أسماه "المتيورولوجيا Meteoroiogica" ودرس فيه بعض الظاهرات الجوية دارسة نظرية غير مبنية على القياس، وتكلم فيه عن الفصول وترتيبها على مدار السنة. وفي نفس الفترة تقريبًا كان الهنود يقومون بقياس الأمطار بواسطة أجهزة بسيطة ربما كانت هي أقدم أجهزة قياس المطر في العالم. ومنذ ذلك الوقت أيضًا كان للعرب نشاط تجاري بحري كبير. وقد ساعدهم هذا النشاط على معرفة بعض خصائص حركات الرياح في البحار التي كانت سفنهم التجارية تبحر فيها، وأهمها المحيط الهندي وبحار شرقي آسيا، حتى إنهم عرفوا هبوب الرياح الموسمية وعنهم تعلمه اليونانيون عن طريق بعض ملاحيهم الذين اشتركوا في بعض الرحلات التجارية للعرب. ومما لا شك فيه أن العرب هم الذين أعطوا لهذه الرياح اسمها الذي أخذت منه كلمة monsoons الإنجليزية.
وفي هذه الفترة كان اليونانيون قد عرفوا دوائر العرض وعلاقتها بميل أشعة الشمس وما يترتب على ذلك من تناقص في درجة الحرارة من دائرة الاستواء نحو القطبين. ولهذا فقد قسموا العالم على أساس هذه الدوائر إلى خمسة نطاقات هي: النطاق الحار بين المدارين، والنطاقين المعتدلين بين المدارين والدائرتين القطبيتين، والنطاقين الباردين بين الدائرتين القطبيتين والقطبين. قد ظل هذا التقسيم هو السائد حتى أواخر القرن التاسع عشر.

الفكر المناخي منذ عصر النهضة الأوروبية
...
1- 2- الفكر المناخي منذ عصر النهضة الأوربية:
في عصر النهضة الأوربية الحديثة "خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين" تقدم الفكر المناخي تقدمًا كبيرًا بفضل الكشوف الجغرافية الكبرى، واختراع بعض أجهزة الرصد الجوي الحديثة، وأهمها الترمومتر الذي اخترعه جاليلو سنة 1593م والبارومتر الذي اخترعه تورشيلي سنة 1643م. ونتيجة لهذا التقدم أمكن ملاحظة أن توزيع الأقاليم المناخية لا يتفق تمامًا مع دوائر العرض، وأن هناك عوامل أخرى تتدخل في توزيعها.
وفي نفس الوقت أفادت دراسات الجو والمناخ من التقدم الذي حدث في العلوم الأخرى ذات الصلة بهما، وخصوصًا في علوم الطبيعة وما تتضمنه من دراسات عن تركيب الغلاف الجوي وظاهراته المختلفة، مثل البرق والرعد والإشعاع الشمسي وغيرها. كما أفادت كذلك من التوسع في النشاط الملاحي بواسطة السفن الشراعية في مختلف البحار والمحيطات التي تم اكتشافها.

1- 3- الفكر المناخي منذ أوائل القرن العشرين:
منذ أوائل هذا القرن، كان الاتجاه السائد في دراسة المناخ هو محاولة إيجاد تقسيمات مناخية عامة لسطح الكرة الأرضية اعتمادًا على الإحصاءات المناخية التي أخذت تتوفر لعناصر المناخ الرئيسية في بعض الدول، وعلى مظاهر الحياة النباتية الطبيعية التي يمكن الاستدلال بها على نوع المناخ في الأقاليم التي لا تتوفر فيها إحصاءات مناخية كافية، مثل الأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية الواسعة في العروض المدارية والأقاليم الواقعة في العروض القطبية، وكانت التقسيمات المناخية تعتمد في مراحلها الأولى على مقارنة المعدلات المناخية لعناصر المناخ دون التعمق في تحليلها لمعرفة اختلافاتها المحلية في مناطق صغيرة، أو معرفة القيم الفعلية لهذه العناصر ومدى تأثير كل منها في الآخر. وبمقتضى هذا الاتجاه أمكن وضع تقسيمات عامة لسطح الكرة الأرضية على أساس الاختلافات المناخية الرئيسية، ثم ظهرت على أساس هذه التقسيمات فكرة تقسيم العالم إلى أقاليم طبيعية، وهى الفكرة التي تبناها الجغرافي البريطاني هربرتسونHerbertson في سنة 1905م.
وفي هذه المرحلة كان الاهتمام الرئيسي لعلماء المناخ هو توزيع المعدلات المناخية الحسابية على خريطة العالم أو خرائط القارات، ثم توصيل الأماكن التي تتساوى فيها المعدلات الشهرية أو السنوية بخطوط يطلق عليها بصفة عامة اسم "خطوط الظاهرات المتساوية Isopleths أو Isograms". ومن أشهرها خطوط الحرارة المتساوية Isopleths وخطوط الضغط المتساوي Isothars المطر المتساويIsohyets وعلى أساس هذه الخطوط أمكن تقسيم سطح الكرة الأرضية إلى أقاليم حرارية ونطاقات للضغط الجوي والرياح، ثم تقسيمه في النهاية إلى أقاليم مناخية لكل منها صفات مناخية عامة مشتركة.
وقد تمخض هذا الاتجاه عن ظهور عدة تقسيمات مناخية لسطح الكرة الأرضية بعضها تقسيمات بسيطة تعتمد على توزيع درجة الحرارة وتوزيع الأمطار، وفيها تستخدم خطوط الحرارة المتساوية التي تمثل المعدلات الحرارية عند مستوى سطح البحر كحدود عامة لهذه الأقاليم، ومثل هذه التقسيمات تصلح لدراسة مناخ القارات والأقاليم الكبرى دارسة مناخية عامة، ومثال ذلك التقسيم الذي اقترحه ديمارتون E.Demartonne في فرنسا سنة 1952، والتقسيم الذي اقترحه أوستن ملر Austin Miller في بريطانيا سنة 1936، والذي لا يختلف كثيرًا عن تقسيم ديمارتون.
وإلى جانب هذه التقسيمات البسيطة ظهرت تقسيمات أخرى أكثر تفصيلًا وتعقيدًا، ففي ألمانيا اقترح كوبن W.Koppen تقسيمًا ربط فيها بين التوزيع الفصلي لكل من عنصري الحرارة والأمطار من أجل تقدير شدة الجفاف وشدة الحرارة أو البرودة، وعلاقة هذا التوزيع بنوع الحياة النباتية الطبيعية.
وفي الولايات المتحدة اقترح ثورنثويت W.Thornthwaite في سنة 1948 تقسيمًا مبنيًّا على حساب الميزانية التي تستخدم فيها معدلات الأمطار وما يضيع منها بالتبخر والنتح Evapotransiration، وحساب القيمة الفعلية لدرجة الحرارة. ويمثل هذا التطور في تصنيف الأنواع بداية للمرحلة الحديثة في دراسة المناخ.
وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لكل هذه التصنيفات فإنها لم تعد كافية لمسايرة التطورات الحديثة في دراسة المناخ، وهي التطورات التي فرضتها الحاجة المتزايدة إلى الاستفادة من دراسة المناخ في مختلف المجالات التطبيقية، وفي مختلف الدراسات العلمية الأخرى التي لها صلة بالمناخ، وذلك بعد أن أصبحت معظم الدراسات العلمية متشابكة بحيث لم يعد أي منها يستغني عن الآخر. فمما لا شك فيه أن الباحثين في علوم مثل علوم الزراعة، الحيوان والنبات، وهندسة المياه، وإيكولوجيا الأمراض، وحماية البيئة، وتخطيط المدن وغيرها، محتاجون جميعًا إلى أساس مناخي يتوقف على طبيعة كل علم منها وطبيعة الموضوع المطلوب دارسته، ومع ذلك فإن الربط بين المناخ وهذه العلوم كان حتى وقت قريب غير واضح بالصورة الكافية؛ لأن المناخ، كان يعالج غالبًا كعلم مستقل حتى عن بقية العلوم الجغرافية.

بعض الاتجاهات المعاصرة في الفكر المناخي
مدخل
...
1- 4- بعض الاتجاهات المعاصرة في الفكر المناخي:
على الرغم من أن المناخ لم يسر في تطوره خلال النصف الأول من القرن العشرين بنفس السرعة التي سار بها علم المتيورولوجيا فقد أخذت البحوث المناخية تتقدم بسرعة منذ بداية النصف الثاني من هذا القرن وظهرت في علم البحوث اتجاهات حديثه أهمها:
1- دراسة القيمة الفعلية "أو التأثير الفعلي" لعناصر المناخ.
2- دراسة تفاصيل المناخ بكل عناصره في أماكن محدودة، وظهور ما يعرف باسم "علم المناخ التفصيلي Micro Climatology ".
3- دراسة دور المناخ في مظاهر النشاط البشري المختلفة فيما عرف باسم علم المناخ التطبيقي Applied Climatology.
4- استخدام الأسلوب الكمي في معالجة العلاقات الزمنية والمكانية لعناصر المناخ مثل حساب معامل التغير والانحراف المعياري للتوزيع الشهري أو السنوي للأمطار وغير ذلك من العلاقات التي سنعالج بعضها عند دراسة الأمطار.

1- 4- 1 دراسة القيمة الفعلية لعناصر المناخ:
رأى كثير من الباحثين، لا في علم المناخ وحده، بل وفي بعض العلوم الأخرى المتصلة به أن المعدلات المناخية التي تنشرها محطات الأرصاد كثيرًا ما تعطي صورة غير صحيحة لحقيقة العلاقة بين عناصر المناخ من جهة ومظاهر الحياة المختلفة فوق سطح الأرض من جهة أخرى. فمجرد معرفتنا لكمية الأمطار التي تسقط في مكان ما لا تفيدنا كثيرًا إلا إذا عرفنا القيمة الفعلية لهذه الكمية، فقد تتساوى كمية الأمطار التي تسقط سنويًّا في مكانين معينين، ولكن الأثر الذي تحدثه هذه الكمية قد يختلف في أحد المكانين اختلافًا واضحًا، عنه في المكان الآخر، ويرجع ذلك إلى أن الأمطار تخضع بعد سقوطها على سطح الأرض لعدة عوامل هي التي تحدد الفائدة التي يمكن للأنواع المختلفة من الحيوان والنبات أن تحصل عليها منها، فجزء من هذه الأمطار يضيع بالتبخر عند انحداره فوق سطح الأرض أو تجمعه في المنخفضات والمجاري النهرية، وجزء آخر يتسرب في التربة وربما يصل إلى أعماق بعيدة يستحيل معها الاستفادة به، وجزء آخر ينحدر في مجاري الأنهار ويصل إلى البحر أو المحيط وتختلف المقادير التي تضيع من مياه الأمطار بسبب العوامل السابقة من منطقة إلى أخرى على حسب الظروف المحلية الخاصة بكل منطقة، خصوصًا ما يتعلق منها بدرجة الحرارة والتوزيع الفصلي للأمطار ونوع الرياح وخواص التربة وانحدار سطح الأرض، ويعتبر كوبن1 w. koppen الألماني من أشهر الباحثين الذين وجهوا النظر، منذ أوائل القرن الحالي، إلى ضرورة الاهتمام بتقدير القيمة الفعلية للأمطار عند دارسة المناخ.
وفي الولايات المتحدة تقدمت الدراسات المناخية على أسس رياضية على يد "Thornthwaite" الذي اقترح في سنة 1948 تقسيمه المناخي المعروف الذي أصبح في الوقت الحاضر من أكثر التقسيمات المناخية الحديثة استخدامًا في مختلف جهات العالم. وقد بناه على أسس جديدة تعتمد على تحليل العلاقة بين الأمطار وما يضيع منها بالتبخر والنتح2.
وما قيل عن الأمطار يمكن أن يقال كذلك عن درجة الحرارة، فليست جميع درجات الحرارة ذات قيمة واحدة من حيث أثرها في حياة النبات، فلكل نوع من أنواع النباتات حد أدنى وحد أعلى لدرجة الحرارة التي يستطيع أن ينمو فيها. كما أن سرعة نمو النبات قد تكون في درجة حرارة معينة أسرع منها في الدرجات الأخرى، ويحتاج كل نبات كذلك إلى مجموعة من الوحدات أو الدرجات الحرارية التي يجب توفرها خلال فصل النمو. ويعتبر الضوء عاملًا مساعدًا لدرجة الحرارة، بمعنى أن النبات الذي ينمو في منطقة ما قد يحتاج لكي يتم نموه ونضجه إلى كمية من الوحدات الحرارية أكبر مما يحتاج إليه نفس النبات لو كان نموه في منطقة أخرى نصيبها من ضوء الشمس أكبر من نصيب المنطقة الأولى، وذلك لأن ضوء الشمس يساعد عادة على زيادة سرعة نمو النبات.
وهذه الحقيقة مهمة جدًّا بالنسبة للزراعة في العروض العليا حيث يزداد طول النهار في فصل الصيف، وهو فصل النمو، كلما اقتربنا من الدائرة القطبية ويتزايد تبعًا لذلك مقدار ما تستفيده الأرض من ضوء الشمس. وقد ساعد هذا على نجاح زراعة بعض غلات المناطق المعتدلة مثل القمح في الأقاليم الباردة ويعتبر1 "B.E.Livingston" من أول الباحثين الذين كان لهم فضل توجيه النظر إلى ضرورة تقدير القيمة الفعلية لدرجات الحرارة المختلفة وتأثير كل منها في حياة النبات.
وهذا الاتجاه الحديث لتقدير التأثير الفعلي للعناصر المناخية قد فرض على الباحثين في علم المناخ أن يقووا صلتهم بالعلوم الأخرى، وأن يستفيدوا من النتائج العلمية التي يتوصل إليها غيرهم من الباحثين، خصوصًا في علم النبات والزراعة وهندسة المياه "الهيدرولوجيا"، وهكذا بدأ علم المناخ يوسع اختصاصاته وبدأت تستخدم في تعبيرات جديدة مثل القيمة الفعلية أو التأثير الفعلي للأمطار "Precipitation Effectiveness" والقيمة الفعلية أو التأثير الفعلي لدرجة الحرارة "Temperature Efficiency" والحرارة المتجمعة Accumulated "Temperature" وصفر النمو Zero point if Growth "والتبحر، والنتح" "Evapotranspiration"وهو ما يطلق عليه كذلك تعبير "التبخر الكلي".

1- 4- 2 علم المناخ التفصيليMicroclimatology:
في أواخر القرن التاسع عشر ظهر في ألمانيا نوع جديد من الدراسات المناخية التي فرضتها الحاجة الشديدة لمضاعفة استغلال الأراضي الزراعية حتى يمكنها أن تواجه التزايد المستمر في عدد السكان، فقد رأى بعض الباحثين وعلى رأسهم كرواس1 "Gregor Kraus" أن علم المناخ يمكنه أن يقدم خدمات كثيرة لهذا الاستغلال، ولكنهم لاحظوا أن الدراسات المناخية العامة التي تعتمد فقط على المعدلات التي تنشرها المراصد المختلفة كثيرًا ما تعطي صورة مشوهة لما هو موجود في الطبيعة فعلًا؛ لأن هذه المعدلات تهمل كثيرًا من التفاصيل المهمة التي قد تكون لها آثار عظيمة في حياة النباتات، كما أنها تهمل في معظم الأحيان مراعاة الظروف الجغرافية المحلية التي يكون لها أحيانًا أثر واضح في تنوع المناخ واختلافه من بقعة إلى أخرى في الإقليم الواحد، ولذلك فإن هذه الدراسات العامة لم تكن لها الفائدة المرجوة في الحياة العملية خصوصًا ما يتعلق منها بالاستغلال الاقتصادي للأرض، فالزارع مثلًا لا يهمه كثيرًا أن يعرف المعدلات الشهرية والسنوية للمطر أو درجة الحرارة في الإقليم الذي يعيش فيه بصفة عامة، بل إن الذي يهمه قبل كل شيء هو أن يعرف الظروف المحلية الخاصة بحقله، وهي الظروف الذي قد تجعل هذا الحقل مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن غيره من الحقول التي في نفس الإقليم، ويبدو هذا واضحًا بصفة خاصة في البلاد الجبلية التي تتعقد فيها مظاهر السطح حيث نجد مثلًا أن الجبل الواحد قد تتمثل عليه جميع أنواع المناخ تقريبًا، فبصرف النظر عن الحقيقة المشهورة الخاصة بتناقص درجة الحرارة كلما زاد الارتفاع، يلاحظ أن هناك فروقًا كبيرة جدًّا بين مناخ الجوانب المختلفة للجبل الواحد، ففي نصف الكرة الشمالي تكون الجوانب الجنوبية عادة أدفأ ونصيبها من أشعة الشمس أكبر من الجوانب الشمالية، كما أن النظام اليومي لدرجة الحرارة يختلف اختلافًا واضحًا من جانب إلى آخر، وذلك تبعًا لدرجة الميل التي تسقط بها أشعة الشمس على الأرض، واختلاف ساعات سقوطها على الجوانب المختلفة، ومن المعروف كذلك أن الجوانب المواجهة لهبوب الرياح المحملة ببخار الماء دائمًا أغزر مطرًا من الجوانب المضادة التي تقع فيها يعرف باسم "ظل المطر".
ولئن كان ارتفاع الجبال وشكلها يساعدان على خلق أنواع متباينة من المناخ، فإن هذا أيضًا شأن الوديان والمنخفضات فقاع الوادي يكون عادة أدفأ في أثناء النهار، من جوانبه، أما في أثناء الليل فيحدث العكس لأن الهواء البارد يميل دائمًا للهبوط بسبب ازدياد كثافته حيث يتجمع في قيعان الوديان والمنخفضات، ولهذا فان الحقول التي في هذه القيعان "في المناطق المعتدلة الباردة" تكون عادة أكثر تعرضًا لخطر الصقيع من الحقول التي على الجوانب المرتفعة، وهذه الحقيقة تبدو واضحة كذلك بالنسبة لمنحدرات الجبال، حيث تكون الأجزاء السفلى منها أبرد في أثناء الليل من الأجزاء العليا، وذلك على العكس مما هو معروف عمومًا عن تناقص درجة الحرارة بالارتفاع.
وليس من شك في أن الحياة النباتية التي تغطي سطح الأرض في بعض الأماكن ودرجة كثافتها لها كذلك تأثير ظاهر على المناخ، وهو تأثير ملطف في غالب الأحيان، ويكفي أن نشير إلى ما نلمسه في حياتنا العامة من فرق واضح بين مناخ المدن ومناخ الريف، ولو أننا يجب أن نلاحظ من ناحية أخرى أن ظروف المدن نفسها بما فيها من مبانٍ ومصانع وما ينتشر في جوها من أتربة ودخان ومواد عالقة، وفي منازلها من مواقد، كل ذلك له دخل كبير في إظهار الفرق بين مناخ المدن ومناخ الريف.
وليس ما ذكرناه هنا إلا أمثلة قليلة فقط للدور المهم الذي يمكن أن تلعبه الظروف المحلية في تنوع مظاهر المناخ وما يترتب على ذلك من تنوع في مظاهر الحياة المختلفة داخل المنطقة الواحدة، ولهذا فإننا نجد أن الجغرافيين أخذوا في السنوات الأخيرة يهتمون بصفة خاصة بدراسة تفاصيل المناخ في مناطق صغيرة محدودة المساحة، أكثر من اهتمامهم بدراسة المظاهر العامة في مناطق واسعة، وقد أدى هذا الاتجاه إلى تشعب علم المناخ واتساع مجال البحث فيه، من هذه الناحية أيضًا، فبدأنا نقرأ مثلًا عن موضوعات جديدة، مثل مناخ الجبال ومناخ الوديان، ومناخ المدن ومناخ سطح التربة أي على ارتفاع لا يزيد على متر واحد منها، وغير ذلك من الموضوعات التي أصبح يضمها فرع جديد عظيم الأهمية من علم المناخ يطلق عليه بصفة عامة اسم "علم المناخ التفصيلي أو الميكروسكوبي macroclimatology وقد أصبح علم المناخ التفصيلي في الوقت الحاضر من أهم العلوم التي توجه إليها الدول المتحضرة عناية بالغة لما هو من أهمية اقتصادية خطيرة يبدو أثرها واضحًا بالنسبة لتوزيع مظاهر الإنتاج المختلفة سواء منها ما هو زراعي أو ما هو صناعي.

علم المناخ التطبيقي
مدخل
...
1- 4- 3 علم المناخ التطبيقي 1 Applied Climatology:
ليس من شك في أن المناخ هو أهم العوامل الطبيعية التي تتدخل بطريق مباشر أو غير مباشر في تشكيل سطح الأرض وما عليه من مظاهر متباينة، سواء في ذلك تلك المظاهر الخاصة بتضاريس القشرة الأرضية وتكوينها، أو تلك التي تتصل بتكوين التربة وبحياة النبات والحيوان بجميع أنواعها، وليس الإنسان بأقل الكائنات الحية تأثرًا بهذا العامل سواء في الماضي أو الحاضر، فلئن استطاع العقل البشري أن يغير بعض الشيء من مظاهر سطح الأرض، وأن يغزو بمخترعاته أجواز الفضاء وعروض البحار وأن يبدأ ارتياد سطح القمر، فإن الإنسان كان ولم يزل وسيظل دائمًا لظاهرات الجو وأحوال المناخ، ولن يستطيع مهما طال الزمن أن يتحرر كلية من سيطرتها عليه وتحكمها في مشروعاته وأرزاقه، بل وفي لونه وصحته ومزاجه، ولن نستطيع أن ندخل هنا في تفاصيل العلاقة بين المناخ وحياة الإنسان، ولهذا فإننا سنكتفي بذكر أمثلة محدودة جدًّا لتوضيح هذه العلاقة، كتمهيد مختصر لدراسة أكثر توسعًا في "علم المناخ التطبيقي".
المناخ والزراعة:
منذ أقدم العصور كان الزارع والراعي يخضعان خضوعًا تامًّا لرحمة الظروف المناخية، ولا يزال هذا هو حالهما في الوقت الحاضر؛ إذ إن المناخ هو المتحكم الأول في توزيع الحياة النباتية والحيوانية في العالم، فلا يمكن مثلًا أن تنجح زراعة غلة مثل القمح على نطاق واسع في الأقاليم الاستوائية ذات الأمطار الغزيرة طول العام، أو أن تنتشر زراعة الكاكاو أو المطاط في الأقاليم الباردة، فلكل نبات ظروفه المناخية التي تلائمه والتي لا يجود إلا فيها، وهكذا تحددت مناطق الإنتاج الزراعي سواء في ذلك إنتاج المواد الغذائية أو إنتاج المواد الأولية اللازمة للصناعة، وتحددت تبعًا لذلك طرق التجارة ومناطق الإنتاج والاستهلاك.
ويتحكم المناخ فضلًا عن ذلك في نظام الزراعة في المنطقة الواحدة فهو الذي يفرض على الزارع أن يتبعوا نظمًا خاصة في توزيع محصولاتهم على فصول السنة، ومن الطبيعي أن يكون تحكم المناخ في الإنتاج الزراعي أقوى في الأقاليم التي تعتمد الزراعة فيها على المطر منه في الأقاليم التي تقوم الزراعة فيها على الري، فكثيرًا ما يؤدي نقص الأمطار في سنة من السنين إلى فشل الزراعة أو فقر المرعى مما يترتب عليه حدوث مجاعات خطيرة، كما يحدث كثيرًا في بعض مناطق أستراليا والهند وشمال إفريقية وغيرها من المناطق التي تتغير كمية الأمطار التي تسقط فيه تغيرًا كبيرًا من سنة إلى أخرى، وقد يحدث العكس تمامًا في بعض الأحيان فتزايد الأمطار بدرجة يتلف معها الزرع ويتعذر الحصاد، فيهبط المحصول هبوطًا كبيرًا، كما يحدث كثيرًا في مناطق زراعة القمح بغرب أوروبا، فالقمح يعتبر من النباتات التي تحتاج -لكي يتم نضجها- إلى فترة جفاف قبل الحصاد وإلا فسد المحصول وقل الإنتاج.
ولئن كان الإنسان قد عجز عن أن يعدل الظروف المناخية على حسب رغباته، فإنه لم يعجز تمامًا في أن يتحايل عليها بوسائله الخاصة، فقد استطاع مثلًا أن ينقل زراعة غلة من الغلات، ولو على نطاق ضيق، إلى مناطق لم تكن تصلح لها من قبل، وذلك باستنبات فصائل وأنواع جديدة تكون أقدر على تحمل بعض الظروف المناخية التي تتحملها الفصائل والأنواع الأصلية، فقد أمكن مثلًا استنبات فصائل كثيرة من الذرة يصلح كل منها لنوع معين من أنواع المناخ، ومن هذه الفصائل ما يصل ارتفاع نباته إلى سته أمتار ويحتاج لنموه ونضجه إلى ما بين عشرة أشهر وأحد عشر شهرًا1، وهذه الفصائل هي التي يمكن زراعتها في المناطق الحارة، التي لا ينخفض متوسط درجة الحرارة فيها في أي شهر من شهور السنة انخفاضًا يضر النبات أو يوقف نموه، وإلى جانب ذلك استنبتت أنواع من الذرة لا يكاد يصل ارتفاعه إلى ثلاثة أرباع المتر، ولا تحتاج لنموها إلى أكثر من ثلاثة أشهر، ومثل هذه الأنواع تزرع غالبًا في المناطق الباردة نسبيًّا حيث يكون الفصل الدافئ الذي يستطيع النبات أن ينمو خلاله قصيرًا، كما هي الحال في بعض مناطق وسط أوربا وأمريكا الشمالية.
ومن أنواع الذرة أيضًا نوع يزرعه الهنود منذ زمن طويل في جنوب غرب أمريكا الشمالية، وهذا النوع لا يحتاج إلا إلى كميات قليلة جدًّا من الماء، ولهذا فإنه يمكن أن يجود في المناطق التي لا تكفي موارد المياه فيها لزراعة الأنواع الأخرى من الذرة، وتغرس بذور هذا النوع عادة في التربة على عمق لا يقل عن قدم واحد من سطح الأرض، وذلك حتى يمكنها أن تستفيد من الرطوبة الموجودة في الأجزاء السفلى من التربة، ويا حبذا لو جربت زراعته في بعض المناطق شبه الصحراوية في الوطن العربي، كما هي الحال في المناطق.
الساحلية من شمال الصحراء الغربية وشمال شبه جزيرة سيناء في جمهورية مصر العربية.
وما قيل عن الذرة يمكن أن يقال كذلك عن كثير من الغلات الأخرى التي يعظم الطلب عليها في جميع أنحاء العالم إما لقيمتها كمادة غذائية كما هي الحال في القمح والأرز، أو لأهميتها كمادة أولية لازمة للصناعة، كما هي الحال في القطن، فجميع هذه الغلات قد أمكن التوسع في زراعتها بحيث أصبحت تنتشر في مناطق كان المعتقد من قبل أن أحوالها المناخية لا تصلح لها.
ويظهر أثر المناخ ومقدار ما يبذله الإنسان من مجهود للتحايل عليه بصورة أوضح في حالة إنتاج الخضروات الغذائية مثل الطماطم والمقاثي، فعلى الرغم من أن هذه النباتات تعتبر حساسة جدًّا للتغيرات الجوية، فقد أصبح من الممكن زراعتها في الوقت الحاضر في جميع أنحاء العالم تقريبًا، ولو على نطاق ضيق ويبذل مجهودات كبيرة واتباع وسائل خاصة، فإلى جانب استنبات أنواع وفصائل لها قدرة على تحمل صنوف مختلفة، من المناخ أمكن إنتاج بعض هذه الخضروات في ظروف جوية صناعية، وذلك بزراعتها في بيوت من الزجاج يمكن التحكم في درجة الحرارة داخلها، ولهذا فليس من المستغرب أن تزرع الطماطم مثلًا في كثير من الأقاليم المدارية وأن تزرع في نفس الوقت في بريطانيا وغيرها من دول غرب أوروبا، والفارق الرئيسي هو أن بينما يضطر الزراع في الأقاليم المدارية أحيانًا لزراعة النبات في ظل بعض الأشجار، أو تغطية شجيراته بطريق خاصة لحمايتها من أشعة الشمس القوية، فإن الزارع الأوروبي قد يضطر لوضع هذه الشجيرات في بيوت من الزجاج يمكن أن تنفذ منها أشعة الشمس فيظل الجو بداخلها دافئًا، ويحدث ذلك عادة في الفصل الذي يكثر فيه ظهور الصقيع، أو تنخفض أثناءه درجة الحرارة بصورة تؤذي النبات وكثيرًا ما توقد النيران في بساتين الفواكه لنفس الغرض.
ولئن كان المناخ يؤثر تأثيرًا مباشرًا على توزيع المحاصيل الزراعية فيجب ألا تخفى علينا أنه كذلك عامل أساسي في تكوين التربة التي تعتبر مع المياه العذبة الأساس الأول لوجود الإنسان وبقائه، فلولا وجود التربة الصالحة للزراعة أو حتى لظهور الحياة النباتية الطبيعية وما يعيش فيها أو عليها من حياة حيوانية لما استطاع الإنسان أن يبقى وينتشر على سطح الأرض، كما أن النباتات الطبيعية نفسها وتباين أنواعها وتوزيعها ليست إلا أثرًا من آثار الظروف المناخية وتباينها من مكان إلى آخر.
ويكفي أن نذكر أن الرخاء الذي تتمتع به بعض أقاليم العالم والمجاعات التي قد تتعرض لها أقاليم أخرى والأمراض التي تصيب المحاصيل المختلفة من وقت إلى آخر ومن مكان إلى آخر ليست كلها إلا مظاهر مترتبة على المناخ والطقس.
المناخ والصناعة:
ولئن كانت دراسة المناخ والأحوال الجوية مهمة للزارعة فإن أهميتها لتبدو واضحة كذلك بالنسبة للصناعة، فمن المعروف أن بعض الصناعات يلزم لقيامها نوع معين من المناخ، فصناعة الغزل والنسيج مثلًا يلزم لنجاحها نسبة عالية من الرطوبة في الهواء حتى لا تتقصف التيلة عند غزلها ونسجها، ويظهر هذا في صناعة غزل ونسيج القطن أوضح منه في صناعة غزل ونسيج الصوف؛ إذ إن الأولى تحتاج إلى نسبة من الرطوبة أعلى بكثير مما تحتاج إليه الثانية، والمثال التقليدي الذي يضرب عادة لتوضيح هذه الحقيقة هو أن صناعة القطن قد تمركزت في مقاطعة لنكشير في غرب إنجلترا، حيث يكون الهواء عادة محملًا بنسبة مرتفعة جدًّا من الرطوبة، بينما تمركزت صناعة الصوف في مقاطعة يوركشير المقابلة لها في الشرق حيث تكون نسبة الرطوبة في الهواء أقل نوعًا ما منها في لنكشير، ولعل هذا هو السبب أيضًا في أن معظم صناعات الغزل والنسيج في مصر توجد بصفة خاصة في النصف الشمالي من الدلتا.
ومن الصناعات الأخرى التي اشتهرت بشدة حساسيتها للظروف الجوية صناعة السجاير والسيجار، فهي تحتاج إلى درجة حرارة ونسبة رطوبة عاليتين، وعلى العكس من ذلك يلاحظ أن صناعة المواد الغذائية، مثل صناعة.
حفظ اللحوم والأسماك والخضروات والفواكه كلها تحتاج غالبًا إلى جو بارد وكلما كان الهواء جافًّا كان ذلك أدعى لنجاح الصناعة.
ولكننا مع ذلك نلاحظ أن كثيرًا من الصناعات أمكنها في الوقت الحاضر أن تتحرر إلى حد ما من سيطرة المناخ والأحوال الجوية، وذلك بعد أن تقدمت وسائل التبريد والتدفئة وغيرها من وسائل تكييف الهواء، بحيث أصبح من الممكن خلق أجواء صناعية داخل المصانع على حسب الحاجة، وفضلًا عن ذلك فإن المصانع أصبحت تبنى أحيانًا تحت سطح الأرض حتى تكون بعيدة بقدر المستطاع عن تأثيرات التقلبات الجوية المختلفة.
علاقة المناخ والجو بالملاحة والحرب:
ولا تخفى علينا كذلك أهمية الدراسات الجوية بالنسبة للملاحة البحرية والجوية على حد سواء، فالطيار أو البحار كلاهما عليه أن يتأكد من حالة الجو وما يمكن أن يطرأ عليه من تغيرات قبل أن يمضى في رحلته، ومع ذلك فكثيرًا ما نسمع عن حوادث سقوط الطائرات أو غرق المراكب بسبب تقلبات فجائية في الظروف الجوية مثل حدوث العواصف أو انتشار الضباب الكثيف فوق المواني والمطارات وعلى خطوط الملاحة، وكذلك القائد في ميدان القتال عليه أن يراقب الأحوال الجوية بكل حذر، فكثيرًا ما كانت الظاهرات الجوية سببًا في خسارة بعض المعارك المهمة أو كسبها، ومن الثابت أن بعض فصول السنة تكون أصلح من غيرها لنجاح العمليات الحربية المختلفة، وذلك على حسب نوع الأسلحة التي تستخدمها الجيوش المتحاربة، فالمتتبع لسير الحروب في الشرق الأقصى في السنوات الأخيرة مثلًا، يلاحظ أن الجيوش الأمريكية المجهزة بالطائرات والأسلحة الثقيلة تفضل عادة القيام بعمليات الغزو والهجوم في الأشهر التي تقل في أثنائها الأمطار والتقلبات الجوية، حتى يسهل استخدام الطائرات والعربات والدبابات في الميدان، بينما يفضل المجاهدون الوطنيون الأشهر الممطرة للقيام بمثل هذه العمليات؛ لأنهم -على الأقل في الوقت الحاضر- أقل من الدول الاستعمارية اعتمادًا على الطائرات والدبابات في حروبهم وذلك إلى جانب أنهم يكونون في هذه الأشهر أقل تعرضًا لهجمات هذه الأسلحة، من القوات الأمريكية.
المناخ وموارد المياه:
من الثابت أن موارد المياه، سواء ما هي سطحية أو ما هي جوفية، مصدرها مياه الأمطار التي تمثل عنصرًا أساسيًّا من عناصر المناخ، وبالإضافة إلى علاقاتها المباشرة بالأمطار فإن هذه المياه، وخصوصًا المياه السطحية تتأثر كذلك بدرجة الحرارة التي تعتبر العامل الرئيسي الذي يؤدي إلى ضياع مقادير متباينة من مياه الأمطار بالتبخر، الذي يمثل مرحلة رئيسية من مراحل الدورة المائية، والواقع أن المظاهر الجوية في هذه الدورة، وأهمها التبخر والتكثف والتساقط، كلها مظاهر مناخية، ولتوزيع المياه على سطح الأرض علاقات قوية بالدورة الهوائية العامة, التي تنتقل بواسطتها الرطوبة من بعض المناطق إلى مناطق أخرى حيث، تتكثف وتسقط بشكل أمطار، أو بأي شكل آخر من مظاهر التكثف، وتلعب الكتل الهوائية الجافة والرطبة هي الأخرى دورًا مهمًّا في هذا التوزيع، فالكتل الهوائية الجافة التي تتكون على اليابس تساعد على سرعة التبخر فتزيد من جفافه، حيث تنقل عند خروجها منه مقادير كبيرة من رطوبته ومياهه، أما الكتل الهوائية البحرية الرطبة فتحمل إليه على العكس من ذلك كثيرًا من بخار الماء الذي يتكثف إذا ما صادف ظروفًا ملائمة لذلك، كأن يرتفع هواؤها بالتصعيد أو عند مصادمته للحافات الجبلية فيؤدي إلى سقوط الأمطار.
وهكذا فإن المناخ هو المسئول الأول عن الدورة المائية وعن توزيع المياه على سطح الأرض وفي طبقاتها، ولهذا فإن دراسته تحتل جانبًا أساسيًّا في دراسة تصريف مياه الأنهار، ونظام جريانها وإمكانات تخزين مياهها، وتقدر احتمالات الفيضانات حدوث حالات القحط والجفاف1
المناخ والعمران:
يتدخل المناخ في التخطيط العمراني الحديث من بعض النواحي، مثل اختيار المناطق الصناعية والمناطق الترفيهية والمناطق السكنية، وأهم العناصر المناخية التي تراعى في هذا التخطيط هي الرياح لأنها هي التي تفرض وضع المناطق الصناعية وأماكن تجميع النفايات في اتجاه انصرافها بعد مرورها على الأحياء السكنية والأحياء الترفيهية، كما أن هبوب الرياح المعتدلة من ناحية البحر في المدن الساحلية وانخفاض المدى الحراري على طول السواحل يعتبر من العوامل المهمة التي تدفع إلى امتداد معظم هذه المدن امتدادًا طوليًّا محاذيًا لساحل البحر، وإلى وجود أهم مناطق الترفيه والتنزه على امتداد الشواطئ.
ولقد كان تأثير المناخ والأحوال الجوية واضحًا على تصميم المساكن منذ أن بدأ الإنسان يبنيها في عهوده الحضارية القديمة لسبب واضح وهو أن أحد الأهداف الرئيسية من بنائه لها هو الحماية من الأحوال الجوية، وأيًّا كان نوع المسكن أو حجمه فإن المناخ يتدخل في اختيار موقعه واختيار المواد التي يُبنى بها وتصميمه، والعناصر المهمة التي تراعى عادة في الاختيار هي درجة الحرارة والإشعاع الشمسي والمطر والرياح.
وليس المناخ السائد وحده هو الذي يتدخل في تصميم المساكن وتوجيهها، بل إن المناخ التفصيلي للمواضع التي تختار للبناء يمكن أن تجعل بعض المواضع، أصلح للسكنى من غيرها داخل النوع الواحد من المناخ، ويرجع التباين في المناخ التفصيلي من موضع إلى آخر إلى عوامل محلية مثل ارتفاع الأرض أو وجود مسطحات مائية أو غطاءات نباتية أو مناطق صناعية أو مبان قريبة.
المناخ وصحة الإنسان:
من الثابت أن هناك علاقة وثيقة بين صحة الإنسان وحالة الجو والمناخ، فقد تبين مثلًا أن بعض أنواع المناخ تساعد على انتشار أمراض.
معينة، ويعتبر المناخ الحار الرطب من أسوأ أنواع المناخ في هذه الناحية، وذلك لأنه يساعد على تحلل المواد العضوية، وعلى نمو الجراثيم والميكروبات والحشرات وانتشارها، فضلًا عن أنه يبعث غالبًا على الكسل والخمول ويقلل من مقدرة الجسم على مقاومة الميكروبات، وقد كان هذا المناخ من أهم العقبات التي اعترضت الأوروبيين عند استعمارهم الأقاليم الاستوائية، وكثيرًا ما كنا نسمع مثلًا عن "مقبرة الرجل الأبيض" وهو الاسم الذي اشتهر به ساحل غانة في غرب إفريقية حيث تجتمع الحرارة والرطوبة الشديدتان طول السنة، ومن الملاحظات المشهورة أيضًا أن كثرة أشعة الشمس وقوتها بالقرب من خط الاستواء تساعد على زيادة سرعة نمو بعض الأجهزة والغدد في جسم الإنسان، مما يؤدي إلى انخفاض سن البلوغ عنه في البلاد ذات المناخ المعتدل أو البارد، فهو بالنسبة للإناث مثلًا يقع بين سن الحادية عشرة والرابعة عشرة عند خط الاستواء وبين الثالثة عشرة والسادسة عشرة في الأقاليم المعتدلة، وبين الخامسة عشرة والثامنة عشرة في الأقاليم القطبية1.
ويلاحظ كذلك أن سكان الأقاليم محرومون تمامًا من أشعة الشمس خلال فترة من السنة يزداد طولها كلما اقتربنا من القطب، الذي تنقسم السنة عنده بصفه عامة إلى فصلين، هما فصل صيف طويل لا تغيب فيه الشمس مطلقًا لمدة قد تصل إلى ستة أشهر، وفصل شتاء مظلم قد تستمر ستة أشهر كذلك، ويتعرض الإسكيمو الذين يعيشون في تلك العروض، والرحالة الذين قد يصلون إليها خلال هذا الفصل المظلم لبعض الأمراض التي تنشأ نتيجة لحرمان الجسم من أشعة الشمس، ومن أهمها فقر الدم "الأنيميا" والأرق وعسر الهضم ولين العظام Rickets وغيرها.
ولكن إذا كان مناخ بعض الأقاليم يساعد على انتشار أنواع معينة من الأمراض فقد ثبت من ناحية أخرى أن هناك أنواعًا من المناخ تساعد على علاج بعض الأمراض المشهورة، حتى إن "تغيير الهواء" أصبح من أهم وسائل العلاج الحديثة، التي ينصح بها الأطباء، فقد تبين مثلًا أن هواء الجبال يساعد كثيرًا على علاج أمراض الرئة، وذلك بسبب تخلخله وبقائه وانخفاض نسبة الرطوبة به، كما تبين أن هواء الصحراء يساعد على علاج أمراض القلب، وهو يشبه هواء الجبال في نقائه كما أنه يمتاز بجفافه، ولكنه أقل تخلخلًا من هواء الجبال مما يجعله أقل إجهادًا للقلب1.
والمعروف أن الجسم البشري يتأثر تأثرًا مباشرًا بتقلبات الجو خصوصًا ما يتعلق منها بارتفاع الحرارة أو انخفاضها، ولكن مهما زادت التغيرات الحرارية فمن الثابت أن درجة حرارة الجسم تظل 37 ْمئوية، وأنها إذا ارتفعت عن ذلك بأكثر من أربع درجات فقد تتعطل أجهزة الجسم الحساسة وغالبًا ما تحدث الوفاة إذا وصل الارتفاع إلى خمس درجات، بينما يستطيع الجسم من ناحية أخرى أن يتحمل انخفاضًا قد يصل إلى عشر درجات مئوية، بمعنى أن الإنسان يمكنه أن يظل حيًّا حتى ولو انخفضت درجة حرارته إلى 27 ْمئوية. ولكي يظل الجسم البشري محافظًا على معدل درجة حرارته وهي 37 ْمئوية زوده الله جلت قدرته بوسائل متعددة لحفظ التوازن بين درجة حرارته ودرجة حرارة الجو المحيط به، ففي الجو الحار يستطيع الجسم أن يتخلص من الحرارة التي تزيد "بسبب عمليات الاحتراق التي تحدث به أو بسبب ارتفاع درجة حرارة الجو" بواسطة العرق الذي يؤدي تبخره إلى خفض درجة حرارة الجلد، أما في الجو البارد فإن الجسم يحاول الاحتفاظ بحرارته عن طريق تقلص الأوردة والشرايين الملاصقة للجلد مما يقلل من اندفاع الدم فيها ووصوله إلى السطح حيث تتعرض حرارته للضياع بملامسة الجلد والأطراف فقد تزداد برودتها بدرجة تؤدي إلى حدوث قشعريرة بها.
والمعروف أن الدورة الدموية هي التي توزع الحرارة على مختلف أجزاء الجسم

__________
1 koppen,W."Versuch einer Klassification"
Geogr.Zeitscher,vol.6,1900,pp.963-657
"Grundriss der Klimakunde"1931.
2 Thornthwaite,C.W. "an Approach Towards arational
Classification of Climate" Geog.Rev. vol.38,pp.59-93.
1 Livingston, B.E."Study of Plant Growth in Relation to Climatic Condition"
Physical Review,vol,1916 pp.399-420.
1 Kraus, Cre "Boden and Kleinstem Raum"
jenz Fischer 1911.
1 إن علم المناخ التطبيقي علم واسع له علاقاته المتشعبة وقد عولج في كتابات عديدة منها على سبيل المثال الكتب التالية:
-Smith Keith "1975" -Principles of Applid Climatology
Mcgraw Hill "UK".
-Critchfield H.J. "2nd ed.1966" General, Climatology
Prentice Hall, New Jercy, C haplers ll to 15.
-Brooks, C.E.P. "1950" Climate in Every day Life E.Benn, London.
1 Gove Hambidge, U.S. Department of Agriculture Year book 1941
"Climate and Man" p 31.
1 لمزيد من القراءة في هذا الموضوع راجع:
Critchfield, H j "2nd 1966"
Grneral Climatology Prentice Hall. New Jersey, pp. 248-265.
1 Lebon, J.H.G. "an Introduction to Human Geography". 1952,p.4,3.
1 Miller A:Austin, "Climatology" 4th, 1944, p.4.

بواسطة : admin
 0  0  2.5K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:14 صباحًا الأحد 5 ديسمبر 2021.