الرحالة لعلم الجغرافيا - أ. سامية حسين الغانمي
الأحد 23 نوفمبر 2014
في
 

جديد المقالات
جديد الملفات
جديد الأخبار


جديد الملفات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

النباتات الطبيعية وتوزيعها العام
2011-07-09 05:03 AM

14- 2- النباتات الطبيعية وتوزيعها العام:
تمهيد:
رغم أن الإنسان قد عمد في معظم بقاع العالم إلى إزالة النباتات الطبيعية بمختلف أنواعها سواء لإحلال الزراعة محلها أو لأي غرض آخر، فإن الحياة النباتية الطبيعية التي ما زالت موجودة فوق سطح الأرض تعتبر رغم قلتها بالنسبة لما كانت عليه من قبل من أهم إن لم تكن هي أهم مورد من موارد الثروة الطبيعية في العالم، وخصوصًا إذا أضفنا إليها الحياة الحيوانية التي تعيش فيها أو عليها سواء في ذلك تلك الحيوانات التي استأنسها الإنسان على مر العصور واستخدمها لأغراضه الخاصة، أو تلك التي ما زالت تعيش بريًّا في مناطق كثيرة، وأهمها مناطق الغابات والحشائش في العروض المختلفة.
ويمكننا أن ندرك عظم الأهمية الاقتصادية للنباتات الطبيعية إذا تصورنا مثلًا مقدار ما يستهلكه العالم يوميًّا من الأخشاب في أغراض البناء أو صناعة الأثاث، أو في مد السكك الحديدية وصناعة السفن، أو في غير ذلك من الأغراض. إن جميع هذه الأخشاب مصدرها الغابات الطبيعية التي تنمو في مناطق معروفة من العالم، وقد بدأت كثير من الدول المتحضرة خصوصًا في أوروبا وأمريكا، تدرك الخطر الذي يهدد بزوال غاباتها الطبيعية، نتيجة لعظم الطلب عليها من جهة ولطغيان الزراعة عليها من جهة أخرى، فسنت لذلك بعض القوانين التي تنظم بمقتضاها استغلال ما تبقى من هذه الغابات، كما بذلت مجهودات كبيرة لزراعة غابات جديدة، لتعويض النقص الناتج عن كثرة الاستهلاك, ويمكننا كذلك أن نتبين الأهمية الكبرى للحياة النباتية الطبيعية إذا عرفنا أن ما يستهلكه العالم من لحوم وجلود وأصواف يأتي معظمه من المناطق ذات المراعي الطبيعية، التي تربى عليها قطعان كبيرة من الماشية والأغنام، كما هي الحال في مراعي أوروبا والأمريكتين وأستراليا المجموعات الرئيسية للنباتات الطبيعية:
بينا فيما سبق أن المناخ هو العامل الرئيسي الذي يتحكم في توزيع الحياة النباتية فوق سطح الأرض، خصوصًا وأن التربة نفسها، وهي من العوامل التي تتدخل كذلك في حياة النباتات، وتستمد معظم خواصها من الظروف المناخية السائدة، وتعتبر الأمطار أهم عنصر مناخي تتوقف عليه كثافة الحياة النباتية ومظهرها العام، فعلى فرض عدم الاختلاف في درجة الحرارة نجد أن النباتات في الأقاليم الممطرة، تكون أعظم كثافة منها في الأقاليم قليلة المطر أو الجافة، وعلى هذا الأساس تقسم الحياة النباتية عمومًا إلى ثلاث مجموعات كبرى، وهي الغابات والحشائش والصحاري "انظر شكل 110" ولكن يلاحظ أن النباتات التي تتألف منها كل مجموعة من هذه المجموعات تتباين في فصائلها وأنواعها، وكذلك في درجة كثافتها من منطقة إلى أخرى تبعًا لعوامل أخرى، أهمها درجة الحرارة وطول فصل النمو والتوزيع الفصلي للأمطار وعلى هذا الأساس قسمت كل مجموعة من المجموعات السابقة إلى عدة أنواع ينمو كل منها في أقاليم تتميز بظروف مناخية خاصة، كما سنوضح فيما بعد.
شكل "110" توزيع المجموعات الرئيسية للنباتات الطبيعية
الغابات
مدخل
...
14- 2- 1- الغابات:
تتكون الغابات أو مناطق الأشجار "Woodlands" بصفة عامة من نباتات خشبية أهمها الأشجار المرتفعة التي تفصل بينها في كثير من الأحيان شجيرات وأحراج أقصر منها، وعلى أساس حجم الأشجار وتقاربها ودرجة اختلاطها بغيرها من النباتات الصغيرة، تقسم مناطق الأشجار عادة إلى ثلاثة أنواع هي:
1- الغابات بمعناها الدقيق "Forest" وهي التي تكون أشجارها غالبًا مستقيمة الجذوع ومرتفعة ومتقاربة جدًّا بحيث تتشابك أجراؤها العليا.
2- أدغال "Bushwoods" وفيها تكون الأشجار متباعدة نوعًا ما، وتفصل بينها شجيرات وأحراج كثيفة تحول دون تشابك قممها.
3- الأحراج "Shrubwoods" أو "Scrubs" وفيها تسود الأحراج والشجيرات التي تتغطى الأرض بينها بالحشائش، أما الأشجار الكبيرة فلا تظهر إلا على مسافات متباعدة1 ويطلق اسم المناطق الشجرية "Woodlands" على الغابات التي تكون أشجارها غالبًا مستقيمة الجذوع، متباعدة نوعًا ما.
مناخ الغابات:
أهم شرط يجب توفره لنمو الغابات هو وفرة المياه؛ لأن الأشجار تحتاج عادة إلى مقادير من المياه أكثر مما يحتاج إليه أي نوع آخر من النباتات، والسبب في ذلك هو أن شكل الشجرة وكثرة أغصانها وأوراقها يجعلها تفقد مقادير كبيرة من المياه بواسطة النتح "بالنسبة للمساحة التي يغطيها جذعها" وليس من شك في أن ارتفاع الأشجار نفسه يساعد كذلك على نشاط عملية النتح لأنه يجعل أجزاءها العليا أكثر تعرضًا لحركة الرياح من النباتات القصيرة.
ولكن يلاحظ من ناحية أخرى أن الجذور الطويلة التي تتميز بها الأشجار عمومًا تجعلها أقدر على استغلال المياه الباطنية ومياه التربة العميقة من النباتات الصغيرة مثل الحشائش، ولهذا تستطيع مقاومة الجفاف في فصل انقطاع الأمطار، بشرط أن تظل التربة نفسها محتفظة بمقادير كافية من الرطوبة التي تتجمع فيها خلال الفصل المطير بخلاف الحال بالنسبة للحشائش التي تموت غالبًا خلال الفصل الجاف، ثم تعود للظهور بمجرد سقوط الأمطار.
وتستطيع الأشجار أن تنمو في درجات حرارة مختلفة، ولكن أنواعها وفصائلها تختلف في المناطق الحارة عنها في المناطق المعتدلة أو الباردة، وهناك مع ذلك حد أدنى لدرجة الحرارة التي تستطيع الغابات أن تنمو فيها، فهي لا يمكن أن تنمو في الأقاليم الباردة إلا إذا كان هناك فصل دافئ يزيد معدل درجة الحرارة في أثنائه عن 6 ْ "صفر النمو" ويرتفع في شهر واحد على الأقل من شهوره إلى 10 ْم أو أكثر، ولهذا فإن الحد الشمالي للغابات في أوراسيا وأمريكا الشمالية يتفق بصفة عامة مع خط حرارة 10 ْم لأدفإ الشهور.
ولما كان فصل الصيف في العروض المعتدلة والباردة هو الفصل الذي ينشط فيه نمو النباتات وتشتد في أثنائه حاجتها إلى الماء، فإن المناطق التي تغزر فيها الأمطار صيفًا تكون غالبًا أصلح لنمو الغابات من المناطق التي تسقط أمطارها في فصل الشتاء إذا كانت درجة الحرارة في أثنائه أقل مما يلزم لنمو الأشجار، ويمكننا بناء على هذا أن نلخص الشروط الواجب توفرها لنمو الأشجار بصفة عامة فيما يلي:
1- أمطار غزيرة تسقط طول السنة أو على الأقل خلال فصل النمو.
2- أن تكون التربة السطحية والسفلية محتوية باستمرار على مقادير كافية من الرطوبة.
3- أن يكون هناك فصل دافئ يزيد معدل درجة حرارته على 6 ْم وترتفع في شهر واحد على الأقل من شهوره إلى 10 ْم أو أكثر.
أنواع الأشجار:
يمكننا أن نميز الأشجار التي تتكون منها الغابات المختلفة في العالم على أسس مختلفة أهمها:
أ- موسم سقوط الأوراق:
وعلى هذا الأساس يوجد نوعان من الأشجار، هما:
1- الأشجار النفضية وهي التي تسقط كل أوراقها في فصل معين من السنة، هو عادة فصل البرودة الشديدة أو فصل الجفاف الشديد.
2- الأشجار دائمة الخضرة، وهي تسقط أوراقها في أي وقت من الأوقات ولكنها لا تسقطها كلها في وقت واحد، بل إنها تجددها باستمرار بحيث تبدو دائمًا خضراء.
ب- شكل الأوراق:
فمن الأشجار ما تكون أوراقه إبرية، كما هي الحال في الأشجار الصنوبرية، ومنها ما تكون أوراقه عريضة، كما هي الحال في معظم الأشجار النفضية وبعض الأشجار دائمة الخضرة.
ج- نوع الأخشاب:
وعلى هذا الأساس تقسم الأشجار عمومًا إلى قسمين: هما
1- أِشجار خشبها لين "Softwood" وينطبق هذا بصفة عامة على أشجار الغابات الصنوبرية ذات الأوراق الإبرية.
2- أشجار خشبها صلب "Hardwood" وينطبق هذا بصفة عامة على أخشاب الغابات النفضية ومعظم الأشجار التي تنمو في المناطق الحارة.
ويجب أن نلاحظ مع ذلك أن هذه التقسيم عام جدًّا، وذلك لعدم وجود تحديد دقيق للأخشاب اللينة أو الأخشاب الصلبة.
الأنواع الرئيسية للغابات وتوزيعها الجغرافي:
تنقسم الغابات على حسب صفاتها العامة والظروف المناخية التي تلائمها إلى الأنواع الآتية: وهي مبينة بصفة إجمالية في الخريطة شكل "111".
أولًا- الغابات المدارية:
وهي تنمو في الأقاليم الحارة التي لا يقل المتوسط الشهري لدرجة الحرارة فيها عن 18 ْم تقريبًا1، ولكنها تختلف في كثافتها وفي تنوع أشجارها على حسب كمية الأمطار ونظام سقوطها، وهي تقسم عادة إلى الأنواع الآتية:
1- الغابات المدارية المطيرة Tropical Rain Forests.
2- الغابات المدارية شبه النفضية Tropical Semideciduous Forests.
شكل "111" توزيع الأنواع الرئيسية للغابات في العالم
وهي التي تسمى أحيانًا بالغابات المدارية الجافة أو الغابات دون الاستوائية.
3- الغابات الساحلية أو المانجروف Mangrove Forests
4- الأحراج والغابات الشوكية Scrubs and Thorn Forests
ثانيًا- غابات المنطقة المعتدلة الدافئة:
وهي المنطقة التي لا ينخفض المتوسط الشهري لدرجة الحرارة فيها عن 6 ْم في أي شهر من الشهور وأهم أنواع الغابات التي تنمو بها هي:
1- غابات البحر المتوسط.
2- الغابات الرطبة الدافئة في شرق القارات "غابات الصين".
ثالثًا- غابات المنطقة المعتدلة الباردة:
أي التي يوجد بها فصل شديد البرودة، وينخفض في أثنائه المتوسط الشهري لدرجة الحرارة عن 6 ْم ويوجد بها نوع من الغابات هما:
1- الغابات النفضية Deciduos Forests
2- الغابات الصنوبرية Coniferous Forests
14- 2- 1- 1 الغابات المدارية:
1- الغابات المدارية المطيرة "شكل 112":
تشغل هذه الغابات مناطق واسعة في الأقاليم الحارة التي تسقط أمطارها طول السنة، كما هي الحال في الكونغو وساحل غانا، في إفريقية، وحوض الأمزون وجنوب شرق البرازيل في أمريكا الجنوبية، ثم جزر إندونسيا وشبه جزيرة الملايو، وهي تنمو بصفة خاصة في المناطق السهلية، ولكنها تنمو كذلك فوق منحدرات الجبال والهضاب حتى في المناطق السهلية، ولكنها تنمو كذلك فوق منحدرات الجبال الهضاب حتى ارتفاع لا يزيد على 2000 قدم فوق سطح البحر، ويعتبر حوض الأمزون أكبر منطقة في العالم تغطيها هذه الغابات، وهي تشتهر هنا باسم السلفا "Selva" ولكن كثيرًا ما يطلق هذا الاسم كذلك على الغابات التي من نفس النوع في حوض الكونغو وغيره من المناطق.
وتتكون الغابات المطيرة في جملتها من أشجار دائمة الخضرة، عريضة الأوراق، لها جذوع مرتفعة، تتشابك أجزاؤها العليا بدرجة لا تسمح بوصول الضوء إلى قلب الغابة، الذي يكون لهذا السبب شديد الظلمة في بعض الأحيان، ويلاحظ أن جذوع الأشجار تخلو من الأغصان والأوراق، ولكنها تحاط بأمراس ضخمة من النباتات المتسلقة التي ترتفع إلى أعلى لكي تصل إلى ضوء الشمس، وفيما عدا ذلك تخلو أرض الغابة من الحشائش والشجيرات القصيرة؛ لأن عدم وصول أشعة الشمس إلى سطح الأرض لا يساعد على نمو هذه النباتات، وليس هناك موسم معين لخروج الأوراق أو الأزهار في هذه الغابات حيث إن ذلك يحدث في جميع فصول السنة على حد سواء.
شكل "112" الغابات المدارية المطيرة "منظر في البرازيل".
وأنواع الأشجار المدارية المطيرة جدًّا، وبعضها له قيمة اقتصادية كبيرة، إما لأخشابه أو لثماره، أو لما يستخرج منه من مواد أولية، والأخشاب في جملتها من النوع الجامد، من أشهرها خشب الماهوجني "الكابلي" "Mahogany" وتشتهر هندوراس "في أمريكا الوسطى" بصفة خاصة بتصديره، ومن الأشجار المهمة أيضًا المطاط والموز والكينا واللبان والكاكاو.
وقد اكتشفت شجرة المطاط الطبيعية لأول مرة في غابات حوض الأمزون ثم نقلت إلى الملايو وجزر الهند الشرقية حيث زرعت في مساحات واسعة. فضلًا عن أنها زرعت كذلك، ولكن على ضيق نسبيًّا في غرب إفريقية والبرازيل.
أما أشجار الموز فتزرع في الوقت الحاضر على نطاق واسع في بعض المناطق الساحلية المنخفضة من الأقاليم المدارية الرطبة خصوصًا في هندوراس "Honduras" وجمايكا "Jamaica" وهما أهم البلاد التي تصدر الموز في العالم.
أما اللبان "Chicle" فعبارة عن عصارة بعض الأشجار التي تنمو في الغابات المدارية المطيرة في أمريكا الوسطى والجنوبية, وتحول هذه العصارة إلى اللبان المعروف "Chewing Gum" الذي يعتبر من صادرات جواتيمالا المهمة.
أما أشجار الكينا "Chincona" التي تستخرج منها الكينا والكيتين فتنمو بكثرة في جاوة وكولومبيا وإكوادور.
ويعتبر الكاكاو كذلك من الأشجار المهمة في الغابات المدارية المطيرة، وهو يزرع الآن بكثرة في غرب إفريقيا، خصوصًا في غانا التي تنتج حوالي نصف محصول العالم منه، وتوجد بعض مزارعه المهمة كذلك في أمريكا الوسطى، ويلاحظ أن استغلال الأشجار التي تنمو طبيعيًّا في الغابات المدارية المطيرة تقف دونه عقبات متعددة، منها صعوبة المواصلات داخل الغابة، ثم انتشار الحشرات التي تسبب بعض الأمراض الخطيرة ومنها مرض النوم الذي تسببه ذبابة "تسي تسي" المشهورة، وذلك فضلًا عن تعدد فصائل النباتات على الأشجار في الغابة واختلاطها بدرجة كبيرة جدًّا مما يجعل من الصعب العثور على الأشجار ذات القيمة الاقتصادية لأن هذا يتطلب البحث عنها في مساحات واسعة من الغابة، ولهذه الأسباب نجد أن المهتمين بإنتاج المطاط أو الكاكاو أو غيرهما من الغلات المدارية يفضلون عادة إزالة الغابات الطبيعية، وزراعة أشجار خاصة محلها، إلا أن عملية إزالة الغابات نفسها تعتبر من العمليات الشاقة عظيمة التكاليف، ويرجع هذا إلى عظم كثافة الغابات وصلابة أخشابها، فضلًا عن أن غزارة الأمطار طول السنة تجعل من الصعب الاستعانة على إزالتها بواسطة إشعال الحرائق فيها، كما هو متبع في بعض الأقاليم التي تتميز بوجود فصل جاف.
2- الغابات المدارية شبه النفضية "شكل 113":
تنمو هذه الغابات في الأقاليم التي تسقط بها أمطار غزيرة في فصل الصيف ويوجد بها فصل جاف في الشتاء، ومن أمثلتها:
1- الأقاليم الموسمية في جنوب وجنوب شرق آسيا مثل الهند وبورما والهند الصينية، وفي شمال أستراليا، ويطلق على غابات هذه الأقاليم اسم الغابات الموسمية.
2- الأقاليم الواقعة على حافة الغابات المدارية المطيرة في إفريقية، وفي حوض الأمزون، ويطلق على الغابات التي تنمو فيها أحيانًا اسم غابات السفانا "Savanna Forests" أو الغابات دون الاستوائية، وهي تمثل مرحلة انتقال بين الغابات المدارية المطيرة من جهة والسفانا من جهة أخرى.
وتتميز هذه الغابات عن الغابات المدارية المطيرة من عدة وجوه، أهمها أن كثيرًا من أشجارها ونباتاتها تسقط أوراقها وتتوقف عن النمو في فصل الجفاف، ولهذا فإن الغابة أقل اخضرارًا في هذا الفصل منها في الفصل المطير، وذلك فضلًا عن أن الأشجار نفسها تكون أقل ارتفاعًا وأكثر تباعدًا منها في شكل "113" غابة مدارية شبه نفضية
الغابات المطيرة، كما أن الكثير منها يتفرع بالقرب من سطح الأرض، وتتغطى الأرض فيما بينها بكثير من الشجيرات والأحراج والحشائش التي تجعل التنقل في داخل الغابة أمرًا شديد الصعوبة في كثير من الأحيان، ويلاحظ كذلك أن النباتات المتسلقة في هذه الغابات أقل بكثير منها في الغابات المطيرة.
وأهم أنواع الأشجار التي تنمو في هذه الغابات هي أشجار السنط "Acacia" وتشتهر الغابات الموسمية في جنوب شرق آسيا بصفة خاصة بكثرة أشجار الخيزران الطويلة "Bamboo" وكذلك أشجار التيك "الساج" Teak، التي تنفض أوراقها في فصل الجفاف، وهي ذات قيمة اقتصادية حيث تستخدم أخشابها "الصلبة" في صناعة الأثاث.
وأقاليم الغابات الموسمية أصلح لحياة الإنسان من أقاليم الغابات المدارية المطيرة، وأسهل منها في تحويلها إلى حقول زراعية، وقد تحولت بالفعل كثير من الأقاليم الموسمية منذ زمن بعيد إلى إنتاج بعض المحاصيل المهمة مثل الأرز وقصب السكر والموز وزيت النخيل والذرة الرفيعة.

3- الغابات الساحلية "المانجروف":
تتميز السواحل المنخفضة في نطاق الغابات المدارية المطيرة بظهور غابات كثيفة تتكون في جملتها من أشجار دائمة الاخضرار تعرف باسم أشجار المانجروف، وهي تنمو عادة في شريط ساحلي ضيق جدًّا، خصوصًا عند مصبات الأنهار وفي المواضع التي تصل إليها مياه المد، ويتراوح ارتفاع هذه الأشجار ما بين 5 و7 أمتار، وهي تتميز بكثرة فروعها، وبكثرة الجذور العريضة التي تتدلى من فروعها نحو الأرض وتتكون منها شبكة يصعب اختراقها، وهي ذات أوراق مستطيلة ملساء، وتحمل طول السنة تقريبًا أزهارًا لونها أصفر فاتح، وثمارًا مخروطية الشكل تشبه ثمار التوت ويميل لون جذوعها إلى الاحمرار1.
وتعتبر هذه الغابات من أهم العقبات التي تعترض الملاحة على طول كثير من السواحل المدارية؛ لأنها تجعل الانتقال من البحر إلى الداخل أمرًا في غاية الصعوبة، فضلًا عن أنها تحول دون إنشاء المرافئ الصالحة لرسو السفن، ولئن ظهرت بعض المواني المهمة على هذه السواحل فإنها توجد دائمًا في المناطق التي تخلو من أشجار المانجروف.
4- الأحراج والغابات الشوكية "شكل 114":
تنمو هذه الغابات في الأقاليم المدارية التي يوجد بها فصل جاف طويل، وهي تتكون في جملتها من أشجار صغيرة متناثرة جميعها نفضية، وتتغطى الأرض فيما بينها بالحشائش، وتجف الغابة تمامًا في فصل الجفاف حيث تسقط الأشجار أوراقها وتموت الحشائش، ولكنها لا تلبث أن تخضر عندما يبدأ فصل النمو الذي يتفق مع موسم سقوط الأمطار، وأنواع الأشجار التي تنمو في هذه الغابات محدودة، وبعضها يتميز بأوراقه الشوكية كما هي الحال في أشجار شكل "114" أحراج مدارية "منظر في السنغال"
السنط، وقد تكون الغابة مكونة في جملتها من الأشجار الشوكية، وفي هذه الحالة يطلق عليها اسم الغابة الشوكية Thorn Forest ومنها بعض الغابات الموجودة في شمال شرق البرازيل، ويطلق عليها اسم كاتينجا "Caatinga" ومن أهم النباتات أيضًا اليوفوربيا الشوكية "Euphorbia" وكذلك الباوباب "Baobab" التي تتميز بمقدرتها على تخزين المياه في جذوعها المتضخمة، مما يساعد على تحمل الجفاف في فصل انقطاع الأمطار "شكل 115".
شكل "115" شجرة باوباوب "في غرب أستراليا"
ويلاحظ أن الغابات شبه النفضية، وكذلك الأحراج تكون عادة مختلطة بكثير من الحشائش، ولذلك فإنها تدرس أحيانًا ضمن نطاق السفانا، ولو أن كلمة سفانا بمعناها الضيق لا تشمل إلا المناطق الخالية من الأشجار1، وسنعود لوصف الحد الفاصل بين السفانا والغابات بعد قليل.
الحياة الحيوانية في الغابات المدارية:
تشمل الحياة الحيوانية في هذه الغابات أنواعًا متعددة من الحيوانات التي يعيش بعضها في الغابات المدارية المطيرة، ويعيش بعضها الآخر في الغابات المدارية الأخرى، أو ينتقل بينها بين مناطق السفانا.
ومعظم الحيوانات التي تعيش في الغابات المطيرة تقضي كل حياتها تقريبًا في أعلى الأشجار نظرًا لقسوة الظروف في قلب الغابة، وهي تشمل كثيرًا من القردة مثل الغوريلا الشمبانزي، كما تشمل السنجاب الطائر، وضفادع الأشجار والسحالي والثعابين، وأنواعًا مختلفة من الطيور والحشرات، ويتميز الكثير من هذه الحيوانات بألوانه الزاهية التي تجعل من الصعب تمييزه وسط الأوراق والأزهار، وهذه الميزة لها أهمية كبيرة، في حياة بعض الحيوانات؛ لأنها تسهل عليها مهمة الاختفاء من أعدائها، وبينما يموج أعلى الغابة بهذه الأنواع المتعددة من الحيوانات التي يساعد تكوين أجسامها على التسلق والتعلق بغصون الأشجار، نجد أن أرض الغابة لا يعيش فوقها غالبًا إلا أنواع قليلة من الزواحف والحشرات التي يوجد بعضها بأعداد هائلة، ومثال ذلك نوع من النمل الأبيض "Termites" الذي يوجد بكثرة في غابات حوض الأمزون، وفيما عدا ذلك تخلو الغابات المدارية المطيرة إلى حد كبير من الحيوانات البرية ذات الأحجام الكبيرة، وينطبق هذا بصفة خاصة على غابات أمريكا الجنوبية، أما في إفريقية فإن هناك عددًا من الحيوانات التي تتنقل ما بين الغابات المدارية والسفانا ومنها بعض آكلات اللحوم مثل النمور والقطط المتوحشة، وبعض آكلات النباتات مثل الفيلة والزراف والبقر الوحشي، وتعيش في حوض الكونغو بصفة خاصة بعض الحيوانات التي أهمها الفيلة والجاموس، وكذلك فرس البحر والتمساح اللذان يعيشان في مجاري الأنهار.
14- 2- 1- 2- الغابات المعتدلة الدافئة:
1- غابات البحر المتوسط "شكل 75، 76":
يتميز مناخ البحر المتوسط بشتائه المعتدل، الذي لا ينخفض في أثنائه المتوسط اليومي لدرجة الحرارة في معظم المناطق انخفاضًا يؤدي إلى توقف نمو معظم الأشجار، أما فصل الصيف فيمتاز بحرارته وجفافه، ولكن رغم ذلك فإن الغابات التي تنمو في هذا المناخ تتكون في جملتها من أشجار عريضة الأوراق دائمة الخضرة لا تنفض أوراقها بسبب الجفاف، كما يحدث للغابات الموسمية أو الأحراج المدارية مثلًا، وتعتبر غابات البحر المتوسط في الواقع نوعًا فريدًا في بابه من أنواع الغابات لأنه ليس من المألوف أن تنمو غابات عريضة الأوراق في إقليم يوجد به فصل جاف طويل نسبيًّا دون أن تنفض أوراقها خلال هذا الفصل.
وتتميز هذه الغابات بصفات خاصة هي التي تساعدها على الاحتفاظ باخضرارها في فصل الصيف، ومن هذه الصفات أن الأشجار تكون متباعدة نوعًا ما بحيث تستطيع الشجرة الواحدة أن تستفيد من المياه الموجودة في منطقة واسعة من الأرض، كما تكون الجذور متشعبة، وطويلة بدرجة تستطيع معها أن تصل إلى طبقة المياه الباطنية، أما الأوراق فتكون قليلة، كما يكون أغلبها صغيرًا سميكًا متصلبًا "Stiff" ذا سطح أملس ناعم أو غير ذلك من الصفات التي تحول دون سرعة فقدان المياه بالنتح، وبعض الأشجار مثل الفلين تغلف جذوعها بقشور سميكة جدًّا تحول دون ضياع مياهها وعصارتها بالتبخر وكثيرًا ما تكون الأوراق شوكية متشابهة لأوراق كثير من النباتات التي تنمو في الأقاليم الجافة1.
وغابات البحر المتوسط في جملتها من نوع الأدغال "Scrub Forests" التي تتكون من أشجار متوسطة الارتفاع أو قصيرة، أما الأشجار الضخمة فيقل وجودها بصفة عامة، إلا في بعض المواضع التي تساعد ظروف المناخ والتربة فيها على سرعة النمو، فهنا تنمو أشجار ذات جذوع سميكة، يلتوي بعض أغصانها على البعض الآخر، وتتغطى الأرض فيما بينها بطبقة من الحشائش القصيرة، ورغم أن الأشجار لا تنقص أوراقها غالبًا في أي فصل من الفصول فإن هناك موسمًا معينًا لخروج البراعم والأوراق الجديدة، ويكون ذلك عند بداية الفصل المطير، في الخريف، أما خروج الأزهار والثمار فيحدث عمومًا في فصل الربيع، وهذا بخلاف الحال في الغابات المدارية المطيرة التي لا يوجد فيها موسم خاص لخروج الأوراق أو الزهور؛ إذ إن هذا يحدث في جميع شهور السنة على حد سواء.
ويعتبر البلوط دائم الخضرة "Oak" والفلين "Cork" من أهم الأشجار التي يختص بها مناخ البحر المتوسط، وهي تمتاز بأن جذوعها مغلفة بقشور سميكة جدًّا تقطعها شقوق عميقة وبأن أوراقها صغيرة سميكة، ومتصلة سطحها أملس، وتعتبر أشجار الزيتون أيضًا من الأنواع الرئيسية، وهي ذات جذوع ضخمة مغلفة بقشور سميكة تقطعها كذلك شقوق عميقة، ويلتوي بعض فروعها على البعض الآخر، أما أوراقها فصغيرة متصلبة قليلة المسام، ومن الأشجار المهمة أيضًا شجرة القسطل "أبو فروة" "Sweet Chestnut" والغاز "Laurel" وبعض أنواع الأشجار المخروطية "Conifers" مثل الأرز "Cedar" والسرو، ثم أشجار اليوكاليبتوس1 "Eucalyputs"، وأشجار الكافور التي تكثر بصفة خاصة في أستراليا.
وإلى جانب الغابات التي سبق وصفها تنمو في مناخ البحر المتوسط كذلك أحراج كثيفة تتغطى بها الأرض في بعض المناطق وتتخللها أحيانًا شجيرات أو أشجار قصيرة، وتشتهر هذه الأحراج في كاليفورنيا باسم "شابارول Chaparral" أما في البلاد المحيطة بالبحر المتوسط فيطلق عليها اسم "ماكي Maqui" وإلى جانب المناطق التي تصلح بطبيعتها لنمو هذه الأحراج نجد أنها تظهر كذلك في بعض المناطق الأخرى التي كانت تغطيها الغابات، وذلك بعد أن اجتثت أشجارها، وأهم فائدة لهذه الأحراج هي أنها تنظم انحدار المياه على جوانب المنحدرات وتحول دون جرفها للتربة.
وفضلًا عن النباتات الطبيعية السابق ذكرها يشتهر مناخ البحر المتوسط بصلاحيته لغرس أشجار الفاكهة التي أهمها الموالح والمشمش والكمثرى والتفاح والخوخ والتين واللوز والكروم وأشجار الزيتون.
ويظهر مناخ البحر المتوسط بصفة عامة في غرب القارات ما بين خطي عرض 30ْ و40ْ تقريبًا، وأكبر منطقة يتمثل فيها هي التي تحيط بالبحر المتوسط نفسه في العالم القديم، وإلى جانب ذلك نجد أنه يتمثل في كاليفورينا بأمريكا الشمالية، وفي وسط شيلي وأمريكا الجنوبية، وفي منطقة رأس الرجاء الصالح في إفريقية، وفي منطقتين صغيرتين في الطرفين الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي لأستراليا.
2- الغابات الرطبة الدافئة في شرق القارات "غابات الصين":
تنمو هذه الغابات في بعض العروض التي توجد فيها غابات البحر المتوسط وذلك في المناطق التي تنتمي عمومًا إلى المناخ المعرف "بالمناخ الصيني" ومن أهمها الصين، وجنوب شرقي الولايات المتحدة وجنوب شرقي البرازيل والساحل الشرقي لأستراليا وساحل ناتال في إفريقية، وهي تنمو كذلك في الأقاليم المدارية، ولكن على مستويات أعلى من 900 متر فوق سطح البحر، كما هي الحال في شرق المكسيك وأمريكا الوسطى، وعلى المنحدرات الشرقية لجبال الإنديز.

ونظرًا لأن أمطار هذه الأقاليم تسقط طول السنة فإن الغابات التي تنمو بها تكون غالبًا أشد كثافة من غابات البحر المتوسط، وهي تتكون في جملتها من أشجار عريضة الأوراق معظمها دائمة الخضرة وأخشابها من النوع الجامد، وتشمل بعض أنواع الأشجار التي تنمو في مناخ البحر المتوسط مثل البلوط دائم الخضرة وكثير من الأشجار التي تتكون منها الغابات عريضة الأوراق في الأقاليم المعتدلة في غرب القارات، كما هو الحال في غرب أوروبا مثلًا، ومن الأشجار المهمة التي من هذا النوع أشجار الزان "Beech" والجوز "Walnut" والبتولا "Birch" والهيكوري "Hickory" "وهو نوع من أشجار الجوز" والحور "poplar" والأسفندان "maple" وتختلط هذه الأشجار في بعض المناطق بكثير من الأشجار الصنوبرية ذات الأوراق الإبرية مثل الصنوبر "pine" والشوكران "Hemlock" ويحدث ذلك بصفة خاصة في المناطق رديئة التربة وعلى منحدرات الجبال حيث تنمو غابات مكونة من النوعين، ويطلق عليها اسم "الغابات المختلطة "Mixed Forests" وقد تسود الأشجار الصنوبرية في بعض المناطق بحيث تتكون منها معظم الغابة أو كلها، كما هي الحال في بعض السهول الساحلية في جنوب شرقي الولايات المتحدة، حيث تسود التربة الرملية الفقيرة، وعلى منحدرات السلاسل الجبلية لجبال الأبلاش، حيث يكون سطح الأرض صخريًّا بصفة عامة، أو يكون مغطى بطبقة رقيقة جدًّا من التربة، وتعتبر الغابات التي تنمو على هذه المنحدرات في الواقع لسانًا من الغابات الصنوبرية يمتد ناحية الشمال وسط إقليم تسود فيه غابات عريضة الأوراق ويزداد اختلاط الأشجار كذلك كلما اتجهنا ناحية القطبين بسبب تناقص الحرارة حتى تصل إلى المناطق التي تسود فيها الغابات الصنوبرية.
وتعتبر الغابات الصنوبرية والغابات المختلطة موردًا من المورد المهمة للأخشاب في العالم؛ إذ إن كثيرًا من أشجارها يمتاز بجودة أخشابه، ومثال ذلك أشجار الجوز والزان، وقد أزيلت هذه الغابات من مناطق واسعة في العالم لكثرة الطلب على أخشابها من جهة ولإحلال الزراعة محلها من جهة أخرى.

حيث إن الأقاليم التي توجد بها تعتبر عمومًا من أكثر جهات العالم ازدحامًا بالسكان، كما هي الحال في الولايات المتحدة، وجنوب اليابان وكوريا وجنوب شرقي الصين، ففي الولايات المتحدة مثلًا كانت هذه الغابات تغطي معظم جنوب وجنوب شرقي البلاد، ولكنها أصبحت في الوقت الحاضر تكاد تكون مقصورة على المناطق الجبلية الوعرة التي ليس من السهل استغلالها للزراعة، ولا تزال مساحتها آخذة في التناقص بسبب كثرة الطلب على أخشابها، ويعتبر الأرز والشاي من أهم الغلات التي انتشرت زراعتها مكان هذه الغابات في شرق آِسيا، أما في الولايات المتحدة فقد انتشرت مكانها زراعة الذرة والقطن.

14- 2- 1- 3- الغابات المعتدلة الباردة.
1- الغابات النفضية "عريضة الأوراق":
أهم ما تتميز به أشجار هذه الغابات هو أنها تسقط أوراقها في فصل الشتاء بسبب انخفاض المعدل اليومي لدرجة الحرارة إلى ما دون حاجة النباتات، وليس بسبب انقطاع الأمطار كما يحدث للغابات النفضية التي تنمو في الأقاليم المدارية، والأوراق في جملتها عريضة ورقيقة، أما الجذوع فتغلفها غالبًا قشور سميكة يمكنها أن تحول دون تبخر الماء منها في الفصل الذي يتوقف فيه نشاط عمليات النمو، وبينما تكون الغابة مزدهرة خضراء في فصل الصيف فإنها تبدو جافة تمامًا في فصل الشتاء، حيث تكون معظم الحياة النباتية فيها في حالة سكون "شكل 116".
وتنمو الغابات النفضية بصفة خاصة في غرب القارات ما بين خطي عرض 40 ْو60 ْتقريبًا، وذلك في الأقاليم التي ينتمي مناخها إلى النوع المعروف باسم "مناخ غرب أوربا" وهو ممطر طول العام ومعتدلة الحرارة في الصيف ولكنه شديد البرودة في الشتاء، وقد كانت هذه الغابات فيما مضى تغطي معظم دول غرب أوروبا ووسطها، ولكن نظرًا لازدحام هذه البلاد بالسكان وعظم شكل "116" غابة نفضية في فصل الشتاء.
الطلب على المواد الغذائية فقد أزيلت من مناطق واسعة، وحلت محلها زراعة بعض المحاصيل التي أهمها القمح والبطاطس والبنجر والشوفان، ولا تزال توجد مع ذلك مساحات واسعة منها في بعض البلاد خصوصًا في غرب روسيا، وتتناقص هذه الغابات كلما توغلنا في أوروبا نحو الشرق تبعًا لتناقص الأمطار حتى تختفي تقريبًا عند جبال أورال، ألا إنها لا تلبث أن تظهر من جديد في شرقي آسيا حيث تغطي مساحات واسعة في منشوريا واليابان، وفي أمريكا الشمالية توجد الغابات النفضية بصفة خاصة شمال غرب الولايات المتحدة وغرب كندا أما في نصف الكرة الجنوبي فلا توجد منها إلا مساحات صغيرة في جنوب شيلي وفي جزيرة تيراديلفويجو "Tierradel Fuego" وفي الطرف الجنوبي لجزيرة تسمانيا وبعض أجزاء الجزيرة الجنوبية لنيوزيلندة.
ويلاحظ أن هذا النوع من الغابات لا ينمو غالبًا على السواحل التي ينتمي مناخها إلى النوع البحري المثالي؛ لأن انخفاض درجة حرارة فصل الشتاء في هذا المناخ لا يكون عادة شديدًا بدرجة تؤدي إلى توقف الحياة النباتية، كما أن الرياح تكون محملة أحيانًا برذاذ من المياه المالحة التي تضر النباتات1، وذلك فضلًا عن أن قوة الرياح على الشاطئ تعتبر من العوامل التي لا تساعد على نمو الأشجار حيث إنها تعمل على نشاط فقدان المياه بالنتح.
وتعتبر الغابات النفضية عمومًا من أهم موارد الأخشاب في العالم خصوصًا فيما يتعلق بالأخشاب الصلبة، وأهم الأشجار التي تنمو بها هي أشجار البلوط والزان والبوداق، "لسان العصفور" والغرغار "Ash" والأسفندان والقسطل "Elm" والجوز، ومما يساعد على استغلال هذه الأشجار أنها قليلة الاختلاط بعضها ببعض أو بغيرها من الأشجار، فكثيرًا ما توجد مساحات واسعة منها لا يغطيها إلا نوعين أو ثلاثة أنواع فقط من الأشجار، وذلك بخلاف الحال في الغابات المدارية المطيرة التي تختلط بها الأنواع المتباينة واختلاطًا شديدًا يجعل استغلال الأنواع ذات القيمة الاقتصادية أمرًا شديد الصعوبة.
2- الغابات الصنوبرية "أو المخروطية":
تعتبر الغابات الصنوبرية من أهم النباتات الطبيعية التي تنمو في العروض المعتدلة الباردة في نصف الكرة الشمالي، وهي تغطي مساحات واسعة في أوراسيا وأمريكا الشمالية، وذلك إلى الشمال من خط عرض 50ْ تقريبًا في أوراسيا و45ْ في أمريكا، أما حدها الشمالي فيتفق عمومًا مع خط حرارة 10ْ لأدفإ الشهور، حيث إن الأشجار لا تستطيع النمو إلا إذا كان هناك شهر واحد على الأقل يرتفع درجة حرارته إلى 10ْ أو أكثر.
ويلاحظ أن الانتقال بين الغابات الصنوبرية والصحاري الجليدية التي تمتد إلى الشمال منها، وبينها وبين الغابات النفضية التي تنتشر إلى الجنوب منها يكون غالبًا تدريجيًّا، فمن ناحية الشمال تتناقص كثافة الغابات ويتناقص حجم أشجارها كلما اقتربنا من القطبين، ويطلق اسم التايجا "Taiga" في شمال أوارسيا على القسم الشمالي من الغابات الصنوبرية الذي يمثل مرحلة الانتقال بين الغابات الصنوبرية ذات الأشجار الضخمة في الجنوب وإقليم التندرا في الشمال، وهو يتكون في جملته من أشجار متقاربة ذات جذوع رفيعة وقصيرة نسبيًّا "شكل 117" ولكن كثيرًا ما يطلق اسم التايجا بصفة عامة على كل نطاق الغابات الصنوبرية في شمال أوراسيا وأمريكا الشمالية، ويلاحظ أن هذه الغابات تختلط من ناحية الجنوب في كثير من المناطق بالأشجار النفضية ويتكون من النوعين غابات مختلطة، كما سبق أن ذكرنا عند الكلام على الغابات النفضية.
شكل "117" غابات التايجا، "منظر في كندا"
وتنمو الغابات الصنوبرية فضلًا عما تقدم على المنحدرات المرتفعة للجبال في الأقاليم المعتدلة الدافئة أو المدارية، وذلك في المستويات التي تتفق ظروفها المناخية مع ما يلزم لنمو هذه الغابات.وتمتاز أشجار الغابات الصنوبرية بأنها مخروطية الشكل مستقيمة الجذوع بصفة عامة، وبأن أوراقها سميكة تغطيها طبقة صمغية تحول دون فقدان مياهها وعصارتها بالتبخر، ولا تسقط هذه الأوراق في أي فصل من الفصول ولكنها تكون في حالة سكون خلال الفصل البارد ثم تبدأ في النمو بسرعة عندما يرتفع المعدل اليومي لدرجة الحرارة إلى 6ْم في بداية فصل الصيف، وذلك دون حاجة إلى إضاعة بعض أيام فصل النمو القصير في تكوين أوراق جديدة كما يحدث مثلًا في الغابات النفضية التي تنمو في الأقاليم الأكثر دفئًا.
ويمكننا أن نلخص أهم أوجه الاختلاف بين الغابات الصنوبرية من جهة والغابات النفضية من جهة أخرى فيما يلي:
1- الغابات الصنوبرية دائمة الاخضرار1، أما النفضية فتسقط أوراقها في فصل الشتاء.
2- الغابات الصنوبرية أوراقها إبرية أما النفضية فعريضة الأوراق.
3- أخشاب الغابات الصنوبرية معظمها من النوع اللين أما الغابات النفضية فمعظم أخشابها من النوع الصلب.
4- تحتاج الغابات الصنوبرية إلى أمطار أقل مما يحتاج إليه الغابات النفضية إذ يكفي لنموها سقوط 25 سنتيمترًا فقط خلال فصل النمو، ولهذا فإنها تمتد بدون انقطاع تقريبًا على شمال أوراسيا وأمريكا الشمالية.
5- تحتاج الغابات الصنوبرية إلى درجة حرارة أقل وفصل النمو أقصر مما تحتاج إليه الغابات النفضية.
6- تستطيع الغابات الصنوبرية أن تنمو في بعض أنواع التربة الفقيرة التي لا تصلح لنمو الغابات النفضية، ففي شرق الولايات المتحدة مثلًا نجد أن الغابات الصنوبرية تحتل بعض المناطق الساحلية ذات التربة الرملية، وذلك في نطاق الغابات النفضية.
7- تمتاز الغابات الصنوبرية بقلة ما ينمو بين أشجارها من نباتات صغيرة، ويرجع ذلك بصفة خاصة إلى قلة ما يصل إلى سطح الأرض من ضوء الشمس بسبب تقارب الأشجار ودوام اخضرارها، أما في الغابات النفضية فتنمو بين الأشجار حياة نباتية كثيفة مكونة من حشائش وشجيرات، ويساعد على ظهورها كون الأشجار تنفض أوراقها في فترة من السنة، مما يسمح لأشعة الشمس بالوصول إلى سطح الأرض.
وتعتبر الغابات الصنوبرية أهم مورد للأخشاب اللينة في العالم، وأهم أنواع الأشجار التي تنمو بها هي الصنوبر "Pine" والشربين والشوكران "Fir" واللاريس "Larch" كما تنمو أشجار الأرز "Cedar" والسرو "Cypress" بكثرة على منحدرات الجبال المرتفعة في الأقاليم الدافئة أو الحارة كما هي الحال في المناطق الجبلية في حوض البحر المتوسط وهضبة الحبشة وشرق إفريقية.
وقد استغلت هذه الغابات على نطاق واسع في شمال أوروبا خصوصًا في السويد والنرويج وفلندة، وتقطع الأشجار عادة في فصل الشتاء ثم تجر على الجليد إلى مجاري الأنهار وتترك فيها حتى تنقلها المياه إلى المصب بعد انصهار الجليد، وتعتبر سيبيريا أكبر منطقة تغطيها الغابات الصنوبرية في العالم، إلا أن هذه الغابات ما زالت في جملتها بعيدة عن الاستغلال، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها:
1- قسوة المناخ وقلة السكان.
2- شدة كثافة الغابات وصعوبة اختراقها.
3- أن الأنهار المهمة في سيبيريا تتجه عمومًا من الجنوب إلى الشمال حيث تصب في المحيط المتجمد الشمالي، مما يقلل من أهميتها كطرق لنقل الأخشاب، ويلاحظ كذلك أن مياه هذه الأنهار تفيض على الأراضي التي حولها في الربيع والصيف، لأنه عندما ينصهر الجليد في أجزائها العليا تكون أجزاؤها الدنيا ما زالت متجمدة، ويترتب على ذلك تحول منطقة واسعة حولها إلى مستنقعات تزيد من صعوبة اختراق الغابات، وفضلًا عن ذلك فإن طغيان المياه وتراكمها على أرض الغابات بهذا الشكل يؤثر تأثيرًا سيئًا على الأشجار؛ لأنه يتلف الأخشاب ويقلل من قيمتها الاقتصادية.
وإلى جانب النطاق الرئيسي الصنوبرية في شمال أوراسيا تنمو هذه الغابات كذلك على منحدرات جبال الألب والكربات، وهي ذات أهمية اقتصادية كمورد للأخشاب اللينة في هذه المناطق.
وإذا انتقلنا إلى العالم الجديد نجد أن الغابات الصنوبرية تشغل نطاقًا واسعًا يمتد ما بين المحيطين الأطلسي والهادي في كندا وشمال الولايات المتحدة، والغابات التي تنمو هنا في جملتها من نوع التايجا التي تنتشر في شمال أوراسيا، وإلى جانب ذلك تنمو الغابات الصنوبرية أيضًا على منحدرات الجبال في المناطق الساحلية ذات التربة الرملية في العروض المعتدلة الدافئة في غرب الولايات المتحدة وشرقها، وتمتاز هذه الغابات عن التايجا بضخامة أشجارها وجودة أخشابها مما يجعل أهميه اقتصادية عظيمة وينطبق هذا بصفة خاصة على الغابات التي تنمو على منحدرات السلاسل الغربية لجبال روكي، ويتكون منها نطاق عظيم يتصل بنطاق التايجا في الشمال ويمتد حتى المكسيك في الجنوب، ففي هذا الناطق تنمو أجود أنواع الأشجار الصنوبرية في العالم، ومن أهمها نوع من الشربين يطلق عليه اسم "Douglas Fir" ويزيد ارتفاع شجرته أحيانًا على 150 مترًا ويزيد قطر جذعها على مترين، ويشبهه في ذلك نوع من أشجار الغابات الصنوبرية المعروفة باسم الغابات الحمراء "Redwood" وهي موجودة بصفة خاصة في كاليفورنيا "انظر شكل 118".
وقد كانت الغابات الصنوبرية تغطي كذلك مساحات واسعة من شرق الولايات المتحدة وكندا، ولكنها أزيلت من مناطق كثيرة لإحلال الزراعة محلها من جهة والاستفادة بأخشابها من جهة أخرى، وقد بدأت هاتان الدولتان تتبعان في الوقت الحاضر سياسة ترمي إلى تنظيم استغلال الغابات والمحافظة عليها، وتعتبر الغابات التي تنتشر على المنحدرات الغربية لجبال روكي أعظم مورد للأخشاب في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، وتليها الغابات التي تنتشر في الولايات الجنوبية الشرقية للبلاد.
أما في نصف الكرة الجنوبي فلا توجد الغابات الصنوبرية إلا في مناطق شكل "118"
صغيرة في غرب وجنوب أمريكا الجنوبية، وذلك لضيق اليابس وعظم امتداده كثيرًا في العروض الجنوبية الباردة.
والحيوانات التي تعيش في الغابات المعتدلة الباردة سواء في ذلك الغابات النفضية أو الغابات الصنوبرية قليلة بصفة عامة، وهي تشمل بعض أنواع الطيور التي تعيش على الفاكهة أو على ما تلتقطه من الحشرات، ثم بعض الحيوانات القارضة "Rodents" مثل السنجاب، الذي يعيش على الحبوب الجافة والأرانب التي تعيش على الحشائش، ثم بعض القطط المتوحشة والثعالب والدببة والذئاب، كما يعيش بها نوع ضخم من الغزال يطلق عليه اسم "Moose" أو "Elk" وتوجد هذه الحيوانات بصفة خاصة في غابات شمال أوراسيا وأمريكا الشمالية.
وإلى جانب حرفة قطع الأشجار وتصدير أخشابها، وهي من أهم الحرف التي يقوم بها السكان في أقاليم الغابات الصنوبرية، وتوجد كذلك حرف أخرى مهمة منها حرفة صيد الحيوانات ذات الفراء مثل الثعالب والأرانب، كما توجد بعض الصناعات المهمة مثل صناعة عيدان الثقاب وصناعة الورق من لب الخشب، وتزرع في هذه المناطق كذلك بعض المحصولات التي أهمها الشعير والشوفان والقمح وذلك في الأماكن التي أزيلت منها الغابات.

الحشائش
مدخل
...
14- 2- 2- الحشائش DRASSLANDS:
تغطي الحشائش مساحات واسعة جدًّا من سطح اليابس، وذلك في المناطق التي تسقط بها كمية من الأمطار تزيد على أمطار الجهات الصحراوية ولكنها لا تكفي لنمو الأشجار، وأصلح أنواع المناخ لظهورها هي التي يوجد بها فصل نمو دافئ ممطر وفصل آخر يتوقف في أثنائه نمو معظم النباتات، سواء بسبب انقطاع الأمطار أو بسبب انخفاض درجة الحرارة عن صفر النمو "6 ْ" "انظر شكل 119" والحشائش في جملتها من النباتات الحولية أو الفصلية التي تنتهي حياتها أو يتوقف نموها بانتهاء فصل النمو ولكنها تعود للظهور والنمو من جديد بمجرد ابتداء فصل النمو التالي، ولهذا نجد أن سطح الأرض يكون في فترة من السنة مغطى بطبقة من الحشائش الخضراء وفي فترة أخرى يبدو قاحلًا مجدبًا، وتختلف الحشائش في كثافتها من منطقة إلى أخرى تبعًا لكمية الأمطار التي تسقط خلال فصل النمو، وهناك نوعان رئيسيان من الحشائش هما:
1- السفانا أو حشائش الأقاليم المدارية.
2- الإستبس أو حشائش الأقاليم المعتدلة، ولكن يلاحظ أن كلمة إستبس تستخدم في الوقت الحاضر "خصوصًا في أمريكا" للدلالة على الحشائش الفقيرة فقط، سواء منها ما ينمو في الأقاليم المعتدلة أو ما ينمو في الأقاليم المدارية على أطراف السفانا من ناحية شكل "119" مناطق الحشائش في العالم
الصحراء، بينما يطلق اسم البراري على الحشائش المعتدلة الغنية نسبيًّا كما سنرى فيما بعد.

14- 2- 2- 1- السفانا "الحشائش المدارية":
وصفها وتوزيعها الجغرافي:
تعتبر السفانا المظهر النباتي الرئيسي في الأقاليم المدارية الحارة، التي تسقط كل أمطارها تقريبًا في فترة يتراوح طولها بين 4 و6 أشهر في نصف السنة الصيفي، ولكنها لا تكون كافية لنمو الغابات، وهي تتمثل بصفة خاصة في قارة إفريقية، حيث يتكون منها نطاقان عظيمان يشملان معظم الأجزاء الداخلية للقارة، ويمتد أحدهما إلى الشمال من الغابات المدارية، بينما يمتد الثاني إلى الجنوب منها ويتصل النطاقان عبر الهضبة الشرقية الاستوائية، التي لا تساعد ظروفها على نمو الغابات الكثيفة بسبب قلة أمطارها بالنسبة للأقاليم الاستوائية الأخرى، التي تمتد إلى الغرب منها والتي تتمثل بصفة خاصة في حوض الكونغو.
وتظهر السفانا كذلك في أمريكا الجنوبية في منطقتين الأولى منهما معظم هضبة البرازيل إلى الجنوب مباشرة من نطاق الغابات المدارية المطيرة في حوض الأمزون، وتشتهر السفانا هنا باسم الكامبوس "Campos" أما المنطقة الثانية فتوجد إلى الشمال من نطاق الغابات وتشمل حوض الأورينوكو ومعظم مرتفعات جيانا، وهذه المنطقة هي التي تشتهر باسم اللانوس "Llanos" وتوجد السفانا فضلًا عن ذلك في أستراليا حيث تشمل نطاقًا يفصل بين إقليم الغابات الموسمية في الشمال والأقاليم الصحراوية في الوسط، كما أنها تنمو في بعض جهات هضبة الدكن وجنوب شرق آسيا.
وتتكون السفانا عمومًا من أعشاب كثيفة تنمو بها أشجار قصيرة متفرقة تتزايد كلما اقتربنا من خط الاستواء تبعًا لتزايد كمية الأمطار وطول الفصل المطير، ولهذا فإن الانتقال بين الغابات المدارية والسفانا يكون غالبًا تدريجيًّا حتى إنه ليصعب إيجاد حد فاصل بينهما، وعلى العكس من ذلك تتضاءل الحشائش وتتناقص الأشجار كلما بعدنا عن خط الاستواء تبعًا لتناقص الأمطار وتناقص طول الفصل المطير، حتى نصل إلى نطاق شبه صحراوي لا تنمو فيه إلا حشائش قصيرة من نوع الإستبس، ولا تكاد تنمو به أشجار تذكر، وأخيرًا نصل إلى النطاق الصحراوي الجاف الذي تمثله الصحراء الكبرى في شمال إفريقية وصحراء كلهاري وناميبيا في جنوبها.
وحشائش السفانا في جملتها من الأنواع الخشنة ذات الأوراق النصلية الطويلة، وهي تبدأ في النمو بسرعة عظيمة بمجرد أن يبدأ الفصل المطير، وقد يصل ارتفاعها في هذا الفصل إلى 7 أمتار في بعض الجهات، ولو أنه يتراوح في الغالب ما بين مترين وأربعة أمتار، ويكون اختراق المنطقة عندئذ أمرًا غاية في الصعوبة، أما في فصل الجفاف فيختلف الحال عن ذلك تمامًا لأن الحشائش سرعان ما تذبل وتجف بمجرد انقطاع الأمطار، ويتحول سطح الأرض إلى مساحات شاسعة جرداء تغطيها طبقة من الحشائش الجافة ويستمر الحال على ذلك حتى يبدأ موسم المطر من جديد.

والأشجار التي تنمو في أقاليم السفانا معظمها من النوع النفضي، وكثير منها يتميز بأوراقه الشوكية التي تساعده على تحمل الجفاف وقد يوجد كذلك أشجار قليلة دائمة الخضرة تتغطى أوراقها بطبقة جلدية غير مسامية كما تغلف جذوعها بقشور سميكة. والصفة الغالبة على الأشجار هي أنها تكون أشبه بالمظلات وربما كان ذلك راجعًا إلى تباعدها وتعرض هذه الأقاليم لهبوب الرياح التجارية التي تهب بقوة في معظم شهور السنة، مما يعاكس نمو الفروع إلى أعلى فضلًا عن أن الشجرة التي تأخذ شكل المظلة تكون غالبًا أقدر على مواجهة الرياح القوية من غيرها "انظر شكل 120".
الحياة الحيوانية:
تختلف حيوانات السفانا عن حيوانات الغابات المدارية المطيرة من بعض الوجوه، فبينما تتكون معظم الحياة الحيوانية في الغابات المطيرة من أنواع لها القدرة على التسلق وتقضي كل حياتها تقريبًا فوق الأشجار وتتغذى على ثمارها نجد أن حيوانات السفانا معظمها من الأنواع البرية التي تتغذى على الحشائش، ومن أهمها الجاموس والبقر الوحشي "Antelope" والحمار الوحشي "Zebra" والخرتيت "Rhinoceros" والزراف والغزال والفيل، ثم الكانجارو الذي لا يوجد إلا في أستراليا، وهناك كذلك بعض الحيوانات المفترسة مثل الأسد والنمر والفهد وهي تتغذى على لحوم غيرها
شكل "120" منظر للسفانا في روديسيا، "لاحظ شكل الأشجار الذي يشبه المظلات" من الحيوانات الأضعف منها، ويلاحظ أن معظم هذه الحيوانات كثير التنقل بحثًا عن الماء والغذاء، فالحيوانات التي تتغذى على الحشائش تضطر في كثير من الأحيان للهجرة في فصل انقطاع الأمطار إلى نطاق الغابات بسبب جفاف حشائش السفانا فتنتقل وراءها الحيوانات الأخرى المفترسة.
وتعيش في السفانا كذلك كثير من الحشرات والديدان التي تكثر بصفة خاصة في الفصل المطير، كما توجد بعض الحيوانات القارضة التي تعيش في مساكن تحفرها لنفسها في الأرض ولا تخرج منها إلا ليلًا لكي تتفادى الحيوانات المفترسة، وتعيش هنا أيضًا بعض الطيور المتوطنة التي لا تعرف الهجرة والانتقال، وهي تتغذى على الحشرات والسحالي، وتعتبر النعامة من أهم هذه الطيور، ولكن يلاحظ أنها فقدت القدرة على الطيران بعد أن تطورت أجنحتها وأصبحت صغيرة بدرجة لا تتناسب مع حجم جسمها، ولكنها تتميز في نفس الوقت بسرعة العدو، ويساعدها على ذلك قوة سيقانها.
المستقبل الاقتصادي للسفانا:
ليس من شك في أن حرفة الرعي هي أوسع الحرف انتشارًا في الوقت الحاضر في أقاليم السفانا، حيث يقوم السكان بتربية قطعان عظيمة من الأبقار، ولكنهم لا يتبعون في تربيتها أساليبَ علمية منظمة، ولهذا فإن اللحوم التي تنتج هنا معظمها من الأنواع الرديئة التي ليست لها قيمة كبيرة في التجارة العالمية، إلا أن الدول الاستعمارية بدأت تهتم اهتمامًا كبيرًا باستغلال هذه الأقاليم، سواء بتنظيم حرفة الرعي فيها أو بتحويل بعض أراضيها إلى حقول لإنتاج الغلات المدارية التي يمكن أن تجود فيها مثل الذرة والفول السوداني والقطن وقصب السكر، وقد استطاعت كل من إنجلترا وفرنسا أن تستغل بالفعل مساحات كبيرة من السفانا الإفريقية لإنتاج هذه الغلات ولا تزال توجد رغم ذلك بعض العقبات التي تحول دون سرعة التوسع في هذا الاستغلال، ومن أهمها قلة الأيدي العاملة وصعوبة المواصلات، وإلى جانب الرعي والزراعة يقوم سكان السفانا كذلك بصيد الحيوانات المختلفة التي تعيش فيها مثل الفيل الذي يتجرون في سنه، ثم النمور والقطط المتوحشة وغيرها من الحيوانات التي لجلودها بعض الأهمية التجارية، وقد ترتب على نشاط عمليات الصيد في هذه المناطق وتحويل كثير من أراضيها للزراعة أن أخذت أعداد الحيوانات البرية فيها في التناقص مما حدا ببعض الدول الواقعة في مناطق السفانا والغابات المدارية إلى أن تحدد مناطق خاصة تحيا فيها الحيوانات البرية حياتها الطبيعية ويقيد فيها صيدها، وتوجد بعض هذه المناطق في السودان وكينيا وغيرها من الدول الإفريقية, وهذه هي المناطق التي تعرف باسم Game Reserves.

14- 2- 2- 2- الإستبس "حشائش العروض المتوسطة":

وصفها وتوزيعها الجغرافي:
كان اسم الإستبس يطلق بمعناه الأصلي على الحشائش التي تغطي مساحات واسعة في داخل القارات في العروض المتوسطة، ولكنه أصبح في الوقت الحاضر يضم كذلك نطاقات أخرى من الحشائش الموجودة في العروض المدارية بين نطاقات السفانا من ناحية والصحاري الحارة من ناحية أخرى، وقد سبق أن أوضحنا ذلك عند شرح التقسيم المناخي الذي اقترحه كوبن، وسيكون كلامنا هنا مركزًا على حال على إستبس العروض المتوسطة، وهي في الواقع أعظم مناطق الإستبس اتساعًا وأهمها من حيث تنوع مظاهر استغلالها الاقتصادي في الوقت الحاضر، وهي تتميز بأن حشائشها أقصر وأكثر اخضرارًا وليونة من حشائش السفانا والإستبس الحار مما يجعلها أصلح منها لتغذية الماشية.
ومن الناحية المناخية نلاحظ أن مناخ السفانا والإستبس كلاهما قاري وأن أمطارهما تسقط في نصف السنة الصيفي، ألا أن أمطار الإستبس أقل نوعًا ما من أمطار السفانا، فبينما يبلغ معدل أمطار السفانا حوالي 100 سنتيمتر أو أكثر نجد أن معدل أمطار الإستبس يندر أن يزيد على 75 سنتيمترًا, وفيما يختص بدرجة الحرارة نجد أنها يندر أن تنخفض في أقاليم السفانا عن 21 ْمئوية في أي شهر من الشهور، أما أقاليم الإستبس فعلى الرغم من أنها تكون شديدة الحرارة في فصل الصيف فإنها تكون شديدة البرودة في فصل الشتاء الذي ينخفض المعدل اليومي لدرجة الحرارة في أثنائه إلى أقل من 6 ْم، وقد ينخفض في بعض الجهات إلى ما دون درجة التجمد فيتغطى سطح الأرض بالجليد، وفي هذا الفصل تجف معظم الحشائش وتموت نهائيًّا أو تبقى في حالة سكون حتى بداية الفصل الدافئ الذي يتفق مع فصل سقوط الأمطار.
وتتباين الحشائش المعتدلة في كثافتها من جهة إلى أخرى على حسب كميات الأمطار، وعلى هذا الأساس يقسم بعض الجغرافيين1 المناطق التي تنمو فيها الحشائش إلى نوعين: هما
1- البراري ويقصد بها المناطق التي تنمو بها حشائش كثيفة مرتفعة تختلط بها أحيانًا بعض الأشجار، وتتراوح كمية المطر السنوي فيها ما بين 75 و100 سنتيمتر، ومن أحسن الأمثلة عليها تلك المنطقة المعروفة باسم البراري في وسط أمريكا الشمالية.
2- الإستبس ويقصد بها المناطق التي تغطيها حشائش فقيرة نسبيًّا، ويكون ذلك في الأقاليم التي تتراوح أمطارها بين 25 و50 سنتيمترًا، وهي تخلو تمامًا من الأشجار، وفي بعض هذه المناطق يتغطى سطح الأرض بخصل أو مجموعات متفرقة من الحشائش شكل "121"، بينما ينمو في بعضها الآخر غطاء متصل من الحشائش القصيرة.
شكل "121" حشائش الإستبس
وتغطي الحشائش المعتدلة مساحات واسعة من القارات المختلفة، ففي أوراسيا نجد أنها تنتشر في معظم دول شرق أوروبا وجنوب روسيا وغرب آسيا، وهي تتدرج من إقليم الغابات النفضية في الغرب ومن إقليم الغابات الصنوبرية في الشمال، وتتناقص كثافتها كلما اتجهنا شرقًا تبعًا لتناقص الأمطار حتى تنتهي في صحاري وسط آسيا، ولكنها تعود للظهور مرة أخرى في منشوريا، وهي تظهر فضلًا عن ذلك في مساحات واسعة نسبيًّا في بعض دول حوض البحر المتوسط خصوصًا في إيطاليا وإسبانيا. وفي إفريقية نجد أنها تنمو في القسم الجنوبي من هضبة إفريقية الجنوبية إلى الشرق من صحراء كلهاري، ومنها الحشائش التي تنمو على هضاب الفلد والتي اشتهرت باسمها هذه الهضاب. وفي أستراليا تنمو هذه الحشائش في السهول الوسطى في حوض نهر مرى - دارلنج، وتتناقص كثافتها كلما اتجهنا غربًا حتى تنتهي في النطاق الصحراوي الذي يشمل معظم وسط القارة، وإذا انتقلنا إلى العالم الجديد نجد أنها تشغل معظم السهول الوسطى في الولايات المتحدة وجنوب كندا، وتتناقص كثافتها كلما اتجهنا غربًا تبعًا لتناقص الأمطار، ولهذا فمن الممكن أن نقسمها إلى قسمين هما:
1- إقليم البراري في وسط الولايات المتحدة وجنوب كندا، وهو يمتاز بعلو حشائشه وكثافتها وكثرة الأزهار التي توجد بها، ويعتبر خط طول 100 ْغربًا الحد الغربي لهذه الأقاليم على وجه التقريب.
2- إقليم الإستبس الذي تعطيه حشائش فقيرة نسبيًّا، ويمتد إلى الغرب من ذلك حتى ينتهي عند المنحدرات الشرقية لجبال روكي.
ولكن يلاحظ أن مساحات واسعة من منطقة الحشائش المعتدلة في جميع القارات تقريبًا قد حولت إلى حقول زراعية لإنتاج بعض الغلات التي من أهمها الحبوب الغذائية مثل القمح.
القيمة الاقتصادية:
ليس من شك في أن مناطق الحشائش المعتدلة تعتبر في الوقت الحاضر أعظم مناطق إنتاج اللحوم في العالم، بل إنها أصبحت كذلك أعظم مناطق إنتاج القمح وبعض الحبوب الغذائية الأخرى وقد ساعد على ذلك عدة عوامل أهمها:
1- اعتدال مناخها وملاءمته لنمو الحشائش والمحاصيل الزراعية.
2- عظم صلاحية حشائشها لتغذية الماشية والأغنام.
3- وجود معظمها في دول متحضرة يمكنها أن تحسن استغلالها.
4- جودة التربة في معظم مناطقها.
وقد ترتب على قرب مراعي أوروبا وأمريكا الشمالية، من مراكز الصناعة وازدحام السكان بالقارتين، وشدة الحاجة إلى الحبوب الغذائية أن تحولت مساحات واسعة منها إلى حقول زراعية ففي الولايات المتحدة مثلًا نجد أن معظم البراري التي في القسم الشرقي من السهول الوسطى أصبحت في الوقت الحاضر من أعظم مناطق إنتاج القمح والذرة في العالم، وقد بدأت الزراعة تنتشر في هذه السهول منذ أواخر القرن الثامن عشر، فقد كان سكان البلاد القليلون وقتئذ ينتشرون في الولايات الشرقية بالقرب من ساحل المحيط الأطلسي.
وكان رعي الماشية موجودًا جنبًا إلى جنب مع الزراعة في نفس هذه الولايات، إلا أن السكان أخذوا في التزايد بسرعة وترتب على ذلك أمران هما:
أولًا: زيادة الاهتمام باستغلال أراضي الولايات الشرقية للإنتاج الزراعي، فأخذت المناطق التي كانت مخصصة لرعي الماشية في التناقص حتى اختفت حرفة الرعي تمامًا من هذه الولايات.
ثانيًا: هاجر الرعاة نحو الغرب إلى السهول الوسطى، إلا أن التوسع الزراعي ما لبث أن امتد إلى هذه السهول أيضًا مما أدى إلى تزحزح حرفة الرعي مرة أخرى نحو الغرب حتى استقرت في نطاق الإستبس في القسم الغربي من السهول الوسطى وعلى الهضاب شبه الجافة إلى الشرق من جبال روكي مباشرة، ونظرًا لأن هذه المراعي فقيرة نسبيًّا فإن المواشي التي تربى عليها تكون غالبًا هزيلة، ولذلك فإنها تنقل إلى المناطق الزراعية في الشرق حيث تعلف على الذرة فترة من الوقت لتسمينها قبل ذبحها.
وما حدث في أمريكا قد حدث ما يشبهه إلى حد كبير في أوروبا، حيث حولت كثير من مناطق الرعي في وسط وشرق أوروبا إلى حقول زراعية ولهذا فقد تزحزحت حرفة الرعي نحو الشرق وأصبحت تتمركز في الوقت الحاضر في مراعي وسط وغرب آسيا، بينما أصبحت أوكرانيا وجنوب روسيا من أعظم مناطق إنتاج القمح في العالم.
أما أمريكا الجنوبية وإفريقية وأستراليا فإن نسبة ما حول من مناطق الحشائش المعتدلة فيها للإنتاج الزراعي لا تزال أقل منها في أوروبا وأمريكا الشمالية ولا تزال حرفة الرعي هي السائدة في كل منها.
وأهم الحيوانات التي تربى في المراعي المعتدلة هي الأبقار والأغنام، وترعى الأبقار عادة في مناطق البراري الغنية، أما الأغنام فترعى في المناطق الفقيرة نسبيًّا، وتشتهر مراعي أستراليا ونيوزيلندة بصفة خاصة بتربية الأغنام التي تربى غالبًا من أجل الصوف، الذي تعتبر أستراليا أكبر الدول المصدرة له في العالم، أما مراعي الأرجنتين وأمريكا الشمالية فتسود تربية الماشية على تربية الأغنام، وتعتبر الخيول كذلك من حيوانات المراعي المعتدلة، وتكثر تربيتها بصفة خاصة في مراعي آسيا.
الحيوانات غير المستأنسة:
بصرف النظر عن الحيوانات المستأنسة التي سبق ذكرها والتي تربى لأغراض اقتصادية، يلاحظ أن مناطق الحشائش تعتبر موطنًا لأنواع متعددة من الحيوانات التي يشترك أغلبها في صفات معينة تمكنها من تحمل الظروف الطبيعية السائدة فيها، ومن أهمها جفاف فصل الشتاء وشدة برودته وفقر الحياة النباتية في أثنائه، ولهذا فإن بعض الحيوانات يضطر للهجرة إلى مناطق أخرى، بينما يضطر البعض الآخر للاعتكاف والراحة التامة في مساكنه حتى يحل فصل الدفء.
وتميل معظم حيوانات هذه المناطق سواء في ذلك الطيور أو الحيوانات الثديية إلى أن تعيش في مجموعات وأن تهاجر في مجموعات كذلك، وكثيرًا ما تضطر للانتقال إلى أماكن بعيدة جدًّا هربًا من البرودة الشديدة أو بحثًا عن الماء في فصل الشتاء وتغير في أثناء انتقالها على المناطق الزراعية التي تصادفها.

والحيوانات الثديية التي تعيش بريًّا في المراعي المعتدلة أهمها الغزال وبعض الحيوانات القارضة مثل السنجاب البري والجربوع "Jerboa" والأرانب البرية، وقد كانت مراعي أمريكا الشمالية تشتهر بوجود نوع من الثيران الوحشية يطلق عليه اسم البيزون "Bison" وتشتهر بسرعة العدو، وهي ميزة تساعده على الهروب من الذئاب التي توجد بكثرة في هذه المراعي، وقد كان البيزون موجودًا بكثرة في الماضي ولكنه كاد ينقرض في الوقت الحاضر بسبب كثرة اصطياده من جهة وتحول كثير من مناطق الحشائش للإنتاج الزراعي أو الرعوي المنظم من جهة أخرى.
أما الطيور فمن أهمها السمان "Quails" الذي يهاجر في أواخر الخريف نحو المناطق الدافئة هربًا من برودة فصل الشتاء وبحثًا عن الغذاء، ومنها كذلك الحجل "partridge" والقنابر "قنبر Lark" وبعض الطيور الجارحة مثل النسور.

14- 2- 3- الصحاري:
تعريفها وتوزيعها الجغرافي:
يطلق اسم الصحاري على أي إقليم لا تساعد ظروفه الطبيعة على قيام حياة نباتية أو حيوانية تذكر، ولكن ليس معنى هذا أن الصحراء يجب أن تكون خالية خلوًّا تامًّا من الحياة؛ إذ إن الصحاري التي من هذا النوع قليلة، وأغلب الصحاري بها حياة نباتية وحيوانية ولكنها فقيرة جدًّا.
وتشمل الصحاري مساحات واسعة من اليابس، وأهمها هي الصحاري المدارية مثل الصحراء الكبرى في شمال إفريقية وامتدادها في جنوب غرب آسيا وصحراء كلهاري وصحاري وسط غرب أستراليا، وصحاري أريزونا والمكسيك في أمريكا الشمالية، وأتكاما في أمريكا الجنوبية، ثم الصحاري المعتدلة والباردة التي تشغل مساحات واسعة في وسط آسيا ما بين بحر قزوين في الغرب وجبال خنجان في الشرق.

ونظرًا لفقر الحياة النباتية في الأقاليم القطبية التي يغطيها الجليد في معظم شهور السنة فإنها يمكن أن تعتبر كذلك نوعًا من الصحاري الباردة، وهي تشتهر غالبًا باسم "التندرا" ويمكن أن نضم إليها كذلك الأقاليم التي تكسوها غطاءات جليدية دائمة.

نباتات الصحاري الحارة والمعتدلة:
أهم ما يتميز به مناخ الصحاري هو أن أمطاره قليلة جدًّا بحيث لا تزيد على 25 سنتيمترًا في السنة, وأن المدى اليومي والفصلي لدرجة الحرارة فيه مرتفع جدًّا، ويندر أن تحتجب سماء الصحاري بالسحب، ولهذا فإن أشعة الشمس تكون مسلطة على سطح الأرض طول النهار تقريبًا، ولا يستثنى من ذلك إلا بعض الصحاري الساحلية حيث يكثر ظهور الضباب في ساعات الصباح، وقد ترتب على هذا النوع من المناخ ظهور حياة نباتية فقيرة تتكون في جملتها من أنواع يمكنها أن تتحمل الجفاف الشديد أو تتحايل عليه فمن هذه النباتات ما هو قصير العمر جدًّا بحيث يستطيع أن يتم حياته أحيانًا في فترات لا تزيد على شهر واحد عقب سقوط الأمطار مباشرة، ثم يموت ويترك بذوره في الأرض حتى تسقط الأمطار مرة أخرى فينمو من جديد، ومنها ما يخزن الماء في جذوره، أو في أوراقه وسيقانه كما هو الحال في بنات الصبير "Cactus" ومنها ما يستطيع أن يتعمق بجذوره في الأرض ليستفيد من رطوبتها أو يصل إلى مستوى الماء الباطني في بعض الأحيان.
ويكون هذا النوع الأخير غالبًا عبارة عن شجيرات قليلة الارتفاع ذات أوراق شوكية مثل السنط، وتمتاز الصحاري الساحلية بظهور بعض أنواع النباتات التي لها القدرة على امتصاص بخار الماء من الجو ومن الضباب أو من نقط الندى التي تتكون عليها.
وقد تختلف النباتات من بقعة إلى أخرى كذلك تبعًا لطبيعة سطح الأرض الذي يكون في بعض الجهات صخريًّا، بينما يكون في بعضها الآخر مغطى بطبقة من الرمال والكثبان الرملية، أو بطبقة من الحصى والزلط، والجهات الصخرية والحصوية هي في الغالب أفقر الجهات الصحراوية في العالم، وأصلح المواضع لنمو النباتات في الصحراء هي المواضع التي ينخفض مستوى سطحها نسبيًّا عما حولها حيث تنحدر إليها مياه الأمطار القليلة، وتكون تربتها غالبًا مكونة من المواد الطينية والرملية الناعمة التي تجلبها المياه المنحدرة من الجوانب، كما تكثر النباتات أيضًا حول التلال التي تنحدر على جوانبها مياه الأمطار، وفي الوديان التي تنحدر فيها مياه السيول، والدالات التي تتكون أحيانًا عند نهايات هذه الوديان.

الاستغلال الاقتصادي:
بصرف النظر عن رعي قليل من الحيوانات التي لا تحتاج إلى مراعٍ غنية مثل الماعز والجمال، وتنحصر الأهمية الاقتصادية للصحاري حاليًا من ناحيتين هما:
أولًا: الزراعة التي تقوم في وديان الأنهار، أو في الواحات اعتمادًا على المياه الباطنية، أو على مياه الأمطار التي تنحدر على جوانب التلال، والواحات إما أن تتكون في المنخفضات التي يقترب فيها مستوى الماء الباطني من سطح الأرض كما هي الحال في الواحات التي توجد في صحراء مصر الغربية مثل سيوة والبحرية ومعظم الواحات الأخرى التي توجد في الصحاري المدارية، أو تنشأ عند قاعدة الجبال التي توجد أحيانًا في قلب الصحراء أو على حافاتها، حيث تكون أمطارها عادة أكثر نسبيًّا من السهول التي حولها، ومن أمثلة ذلك الواحات التي توجد حول مرتفعات تيبستي والحجار في الصحراء الكبرى ومعظم الواحات التي توجد في صحاري وسط آسيا، والأحواض الصحراوية المحصورة بين سلاسل جبال روكي والإنديز، ويعتبر نخيل البلح، من أهم المحاصيل التي تزرع في واحات الصحاري المدارية التي تكثر فيها كذلك زراعة الشعير والذرة والزيتون، أما في الصحاري المعتدلة فتكثر زراعة القمح والشعير وبعض الفواكه مثل الكروم والتفاح والكمثرى.
ثانيًا: استغلال الثروة المعدنية التي توجد في بعض الصحاري وخصوصًا زيت البترول.

حيوانات الصحراء:
نظرًا لفقر الحياة النباتية في الصحاري فإن الحيوانات التي يمكن أن تعيش فيها قليلة جدًّا، وهي تعيش عادة في الواحات وعلى الحافات التي تمثل مرحلة الانتقال بينها وبين أقاليم الحشائش المجاورة، وأهم هذه الحيوانات هي الجمل ذو السنام الواحد والغزال والوعل، وتوجد كذلك كثير من الزواحف مثل السحالي والأفاعي وبعض الحيوانات القارضة الصغيرة، ومعظمها يختفي بالنهار ولا يظهر إلا في الليل، كما أن أغلبها يتميز بلونه الذي لا يختلف كثيرًا عن رمال الصحراء، وهي ميزة تجعل من السهل عليها الاختفاء من أعدائها.

14- 2- 4- التندرا:
تشمل التندرا نطاقًا عظيم الاتساع في الأصقاع الباردة التي يقصر فيها فصل النمو بدرجة لا تسمح بقيام حياة نباتية غنية، وهي تمتد إلى الشمال من نطاق التايجا الذي سبقت الإشارة إليه، ويكون الانتقال بينهما تدريجيًّا بصفة عامة، فكلما اتجهنا ناحية القطب قلت كثافة التايجا وتضاءل حجم أشجارها حتى تصل إلى مناطق يغطيها الجليد في معظم شهور السنة، ولا توجد بها إلا فصل دافئ قصير لا يزيد طوله على ثلاثة أشهر، ولا يرتفع معدل درجة الحرارة في أي شهر من شهوره عن 10 ْم، ولكنه يزيد على 6 ْم في شهر أو شهرين منها,
وفي هذا الفصل تنمو حياة نباتية فقيرة قصيرة العمر تتكون من أعشاب وطحالب وبعض نباتات ذات أزهار جميلة، وقد تختلف النباتات من بقعة إلى أخرى تبعًا لبعض الاختلافات المحلية الخاصة بطبيعة سطح الأرض، ففي المواضع المنخفضة التي تتحول إلى مستنقعات عند ذوبان الجليد تشمل الحياة النباتية كثيرًا من الطحالب "Mosses" وحشائش البحر "Lichens" التي تكثر كذلك على شواطئ البحار، أما على المنحدرات التي تتجه نحو الجنوب فتنمو كثير من النباتات ذات الأزهار المختلفة؛ لأن هذه المنحدرات تكون أدفأ نسبيًّا ونصيبها من أشعة الشمس أكبر من نصيب الأراضي المنخفضة أو المنحدرات الشمالية.
وتتميز جميع هذه النباتات بأن جذورها قصيرة؛ لأن ذوبان الجليد في فصل الصيف يكون غالبًا مقصورًا على طبقة سطحية رقيقة من التربة، بينما تظل التربة السفلية متجمدة ولا تسمح لجذور النباتات بالتعمق فيها.
وتتناقص النباتات بطبيعة الحال كلما اقتربنا من القطب حتى تنتهي تمامًا في المناطق التي يغطيها الجليد الدائم، وهي التي يطلق عليها أحيانًا اسم الصحاري الجليدية.
وتشمل الحياة الحيوانية في التندرا بعض أنواع الحيوانات والطيور التي تتميز بمقدرتها على تحمل البرودة، وتعتبر الرنة "Riendeer" من أهم هذه الحيوانات، وقد استطاع سكان تندرا أوارسيا أن يستأنسوها ويستخدموها في جر الزحافات التي يستخدموها في تنقلاتهم، وذلك فضلًا عن أنهم يأكلون لحمها ويستفيدون من جلودها في صناعة ملابسهم وخيامهم، ويطلق اسم الكاريبو "Caribou" على الرنة التي تعيش في شمال كندا، وهي لم تستأنس بعد، ويقوم الإسكيمو الذين يعيشون هنا بصيدها، وتتغذى الرنة "أو الكاريبو" على العشب الذي يمكنها أن تحصل عليه حتى في فصل الشتاء بأن تكسر بحوافرها وقرونها طبقة الجليد التي تغطيه.
وتعيش في التندرا كذلك بعض الحيوانات المفترسة التي أهمها الدببة والذئاب والثعالب وهي تعتمد في غذائها على الحيوانات الصغيرة التي تنتشر في هذا الإقليم، ومن أهمها الجرذان والأرانب القطبية، وبعض هذه الحيوانات مثل الثعالب تمتاز بأن لها فراء ناعمًا مما يجعل له قيمة عظيمة من الناحية الاقتصادية، ولهذا فإن صيدها والاتجار في فرائها يعتبر من الحرف المهمة التي يقوم بها السكان.

ونظرًا لفقر التندرا في فصل الشتاء ولأن الأرض تكون مغطاة بالثلوج فإن حيواناتها تهاجر إلى نطاق الغابات الصنوبرية في الجنوب بينما يقضي بعضها الآخر معظم أيام هذا الفصل في جحور يحفرها تحت الثلوج حيث تكون درجة الحرارة أعلى نسبيًّا منها على السطح.
وتتميز المياه الساحلية في إقليم التندرا بوجود حيوانات خاصة مثل فرس البحر "Seal" والدب القطبي، وكثير من الطيور البحرية مثل طير البطريق أو البينجوين penguin ونوع من البط يعرف باسم بط الأيدر "Eider" وهو مشهور بريشه الناعم الذي يستخدم بكثرة في حشو الوسائد والألحفة، وجميع هذه الحيوانات تتغذى على ما تصطاده من أسماك وكائنات بحرية، ولهذا فإنها كثيرة التنقل فوق كتل الجليد التي تطفو فوق البحر.
وسكان التندرا قليلون جدًّا في الوقت الحاضر، وهم يعتمدون في حياتهم على حرفتي الصيد والرعي، ففي شمال كندا، مثلًا يقوم "الإسكيمو" بصيد حيوان "الكاريبو" وسبع البحر، ويكون ذلك بصفة خاصة في فصل الصيف، أما في الشتاء فيرحلون نحو الجنوب، حيث يقومون بصيد الحيوانات ذات الفراء في الأطراف الشمالية لنطاق الغابات الصنوبرية. أما في شمال شبه جريرة إسكنديناوة، وفنلندة وروسيا فقد استطاعت جماعات اللاب أن تستأنس الرنة وتقوم برعيها وتنتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن المرعى.

14- 2- 5- نباتات الجبال:
تكلمنا في مواضع سابقة على أثر التضاريس في المناخ، ورأينا أن الجبال لها نوع خاص من المناخ أهم ما يميزه هو تناقص درجة الحرارة بصفة عامة كلما زاد الارتفاع عن سطح البحر، وقد ترتب على ذلك ظهور أنواع متباينة من النباتات الطبيعية التي تتابع على منحدرات الجبال من أسفل إلى أعلى بطريقة مشابهة لتتابع الأقاليم النباتية على سطح البحر ما بين خط الاستواء والقطب، إلا أن هذا التتابع ليس متشابهًا تمامًّا في جميع الجهات الجبلية في العالم، حيث إنه يتأثر بعدة عوامل أخرى غير الارتفاع، أهمها المواقع بالنسبة لخط العرض واتجاه المنحدرات بالنسبة لسقوط أشعة الشمس أو بالنسبة لاتجاه الرياح الممطرة.
ففي الأقاليم الحارة تتدرج الحياة النباتية على منحدرات الجبال المرتفعة من أسفل إلى أعلى من الغابات أو الحشائش المدارية إلى الغابات أو الحشائش المعتدلة ثم حشائش التندرا، وأخيرًا تصل إلى نطاق الثلج الدائم الذي لا يظهر بطبيعة الحال إلا على القمم المرتفعة جدًّا، أما في الأقاليم المعتدلة فيبدأ التدرج من غابات أو حشائش المناطق المعتدلة إلى التندرا ثم منطقة الثلج الدائم.
والارتفاعات التي تبدأ عندها النطاقات النباتية السابقة ليست واحدة في جميع الأقاليم، فهي أكثر ارتفاعًا في الأقاليم الحارة منها في الأقاليم المعتدلة أو الباردة، كما أنها تكون في فصل الصيف أكثر ارتفاعًا منها في فصل الشتاء وعلى المنحدرات المواجهة للقطبين، حيث إن ما يصيب الأولى من أشعة الشمس يفوق كثيرًا ما يصيب الثانية في الفصول المختلفة، وتعيش في المناطق الجبلية أنواع مختلفة من الحيوانات، بعضها يعيش في نطاق الغابات وبعضها الآخر في نطاق الحشائش ومن أمثلة الحيوانات الجبلية التي تعيش في الغابات بعض أنواع القردة ذات الفراء وهي توجد في جبال هيمالايا وهضبة التبت، ثم الدب الأسود والنمر الأرقط "Panther" الذي يمتاز بفرائه الأسود السميك ذي البقع الرمادية، وهو يوجد بصفة خاصة في هضبة منغوليا، أما الحيوانات التي تعيش في نطاق الحشائش فمن أهمها بعض الحيوانات الثديية مثل التيتل الذي يوجد في جبال الألب والياك "Yak" في هضبة التبت، وهو أهم وسيلة لحمل الأثقال والتنقل عند سكان هذه الهضبة، وهو يشبه ذلك حيوان اللاما في جبال أمريكا الجنوبية، وتمتاز الثلاثة الأخيرة بأن لها حوافر قوية تساعدها على تسلق الجبال ذات المسالك الوعرة.



__________
1 finch, C.V. & Trewattha G.t "physical elements of geography" 1949. p. 417
1 klimm L.E starkey, o.p. & Hall, N.F. "introductory economic geography" 1949 p. 119.
1 الحدود المذكورة هنا هي التي اقترحها أوستن ملر للمناطق الحرارية في سنة 1953.
1 يستفاد من قشور جذوع هذه الأشجار في صناعة الأدوية التي تستخدم في علاج الإسهال
1 Horrocks, N.K. "physical geography and climatology 1953. p.243.
1 preston E. James, "A Geography of man" 1944. p.126.
1 كلمة Eukalyptos أصلها يوناني، وهي مكونة من مقطعين هما EU ومعناها جيد Kalyptos ومعناها مغطى أو مغلف، وذلك لأن ثمارها مغلفة تغليفًا جيدًا.
1 Horrocks, N.K. "physical geography and climatology" 1953. p.245
1 يوجد في بعض الأقاليم الباردة القارية في شرق آسيا نوع من الغابات الصنوبرية التي تنفض أوراقها في الشتاء بسبب قسوة البرودة، وتعرف باسم "الغابات النفضية".
1 finch, V.C. & Rtewatha, C. "physical elements of geography" 3 rd ed. 1949 p.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 8967


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


الرحالة
تقييم
4.47/10 (21 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

الرحالة لعلم الجغرافيا - أ. سامية حسين الغانمي

الدعم الفني لموقع الرحالة  العبير